رواية ” بحثا عن الزمن المفقود ” نموذج لأطول رواية في التاريخ

تعتبر رواية   “بحثاً عن الزمن المفقود” الرواية الأطول في التاريخ، وقد استغرق بروست في كتابتها ما يقارب الأربعة عشر عاماً، وتعد من عيون الأدب العالمي ومفخرة للفرنسيين، رواية ضخمة كتبها مارسيل بروست في سبع مجلدات، وتوفي قبل أن ينتهي منها.
إذ كتب الناقد الفرنسي جان إيف تادييه المختص ببروست، والذي أشرف على نشر أعمال بروست في سلسلة لا بلياد الشهيرة: “لطالما قيل إن لإنجلترا شكسبير ولألمانيا غوته ولإيطاليا دانتي فإن فرنسا لا تملك أحداً يساويهم، ولكن ما يدعو للظن بأن لها الآن وبأن لها في غد، مارسيل بروست نظراً لعدد الدراسات التي خُص بها”.
هذه الرواية التي تعالج “موضوع الزمان الذي يهدم وموضوع الذكرى التي تخلص” بتعبير موروا، قد تذكّر قارئ بروست العربي بوصف من البلاغة العربية للأسلوب فيها، عنيت “الطي والنشر” الذي يحدده عبد القادر الجرجاني قائلاً: “وهو أن يذكر شيئان أو أشياء إما تفصيلاً بالنص على كل واحد أو إجمالاً بأن يؤتى بلفظ يشتمل على متعدد، ثم يذكر أشياء على عدد ذلك، كل واحد يرجع إلى واحد من المتقدم ولا ينص على ذلك الرجوع بل يفوض إلى عقل السامع رد كل واحد إلى ما يليق به. وذكر الأشياء الأولى تفصيلاً أو إجمالاً يسمى باللف أو الطي وذكر الأشياء الثانية الراجعة إلى الأولى يسمى بالنشر”، ذلك أن بروست المفتون بالذاكرة اللاإرادية وتراكبها على أزمان رائحة غادية، يبث إشارات شبه واهية، ويدخل أشخاصاً شبه ثانويين، لا يلبث أن يعود إلى كل منها فيضخمها ويوسعها، ملاعباً زمناً يبدو مفقوداً بيد أنه يستعاد بصنوف شتى تكثف الأحاسيس الماضية حد أنها تبعثها وتخلقها من جديد.
مع ذلك، فإن قصة الترجمة السورية لـ”بحثاً عن الزمن المفقود” تستحق أن تروى: كان الياس بديوي قد بادر لهذه المهمة الصعبة، مبادرة شخصية، وتخبر ابنته أنه أسر لصديقه المفكر الفيلسوف أنطون مقدسي (1914- 2005) برغبته في ترجمة رائعة بروست باعتبارها تحدياً “شخصياً” له، فتحمس المفكر الأصيل لرغبة بديوي، وبمساعيه نشرت الأجزاء الأولى لدى منشورات وزارة الثقافة السورية.
لم تكن المهمة صعبة بسبب طول الرواية فحسب، بل أيضاً بسبب أسلوب بروست الخاص، بيد أن بديوي كان متسلحاً بعدة لغوية غنية، فهو يتقن بالإضافة إلى العربية والفرنسية، اللغتين اللاتينية واليونانية، الأمر الذي أتاح له إنجاز ترجمة عذبة سلسة تنساب بيسر، على رغم شهرة الجمل الفائقة الطول والمتشابكة والمتشعبة في “بحثاً عن الزمن المفقود”. فضلاً عن الإحالات والإشارات الكثيرة للفنون من رسم وموسيقى وعمارة كما لا يخفى.
الجمل الطويلة المتشعبة والمتشابكة إذاً، ميّزت أسلوب بروست، ولعل وصف جان إيف تادييه المتخصص الفائق الدقة: “الجملة التالية تتطاول حتى تشغل اثنين وعشرين سطراً وقد أثقلت بأحاسيس زالت وصور وبنيت على وجه الخصوص، وقد نضدت جملاً تابعة ومعطوفة وفق قواعد الجملة اللاتينية والبلاغة الكلاسيكية وجمل “بحثاً عن الزمن المفقود” الطويلة، هذه الجمل التي تقودك على نحو لا يرحم، ولكن دونما إرهاق إلى درج واسع نبلغ قمته دهشين مأخوذين لإرسال النظرة النهائية التي تحتضن الأفق بكامله”.
سهام بوكطيبصحفية متدربة

قد يعجبك ايضا