جسور التواصل الثقافي

 يطرح الباحث المغربيّ عبد الرزاق الدواي في كتابه “في الثقافة والخطاب عن حرب الثقافات: حوار الهويات الوطنية في زمن العولمة” إشكالية معنية بمفاهيم من قبيل الهوية الثقافية، والمثاقفة، والهيمنة الثقافية، والعولمة الثقافية، والصراع والحوار بين الثقافات. ومن منطلق تزايد الاهتمام بهذه الإشكالية، يرصد الكتاب مجمل التحولات الدلالية التي طرأت على الخطاب العام عن الثقافة، ويناقش أطروحة “صدام الحضارات وحرب الثقافات”، ويركّز الاهتمام على إشكالية الحوار بين الثقافات وسياقات تطورها في الفكر المعاصر. كما يقدم حصيلة تركيبية للنقاش العربي النقدي لإشكالية “صدام الحضارات”، ومعه لمحة عن موضوع “حوار الحضارات”. وما فات الكتاب النظر في إشكالية “الهويّة والعولمة الثقافية”، وذلك من منظور أنّ الاهتمام بهذه الإشكالية يتعاظم يومًا بعد يوم، بسبب تجدّد الارتباط العاطفي المثالي بالأرض وبالذاكرة الجماعية والتاريخ

ويردّد الكتاب فكرة أنّ الحالة الطبيعية والسويّة لأيّ ثقافة وهوية ثقافية هي أن تظلّ قادرة على التطور والانفتاح والاغتناء والعطاء، وعلى بناء جسور التواصل مع الثقافات العالمية وهي مقاربة نقديّة وتحليلية في آنٍ واحد لإشكالية الثقافة في الفكر المعاصر، ولحوار الهويّات الوطنية في زمن العولمة. يبحث هذا الكتاب في مفهوم الثقافة وتطوّره. ويتناول الثقافة في التحليل النفسي والأنثروبولوجيا، وكذلك الثقافة بوصفها مكوّنًا من مكوّنات الهويّة. ويتطرّق الكتاب لمناقشة آراء وأفكارٍ شديدة الحيويّة مثل “تفوّق الثقافة الغربيّة” و”حرب الثقافات” و “صدام الحضارات”، و”الحوار بين الثقافات”، علاوةً على إشكالية العولمة الثقافية، والهويّة في زمن العولمة والفضائيّات. ثمّ يتصدّى بالنقاش لآراء عددٍ من المفكّرين والمؤرّخين والباحثين أمثال السيد ياسين، ورضوان السيد، ووجيه كوثراني، ومحمد عابد الجابري، ونادية مصطفى، ليخلص إلى استنتاج أنّ مقاومة العولمة لا تعني، ويجب ألّا تعني، رفض الحداثة ومكوّناتها كالعقلانيّة والتنوير والعلم والديمقراطيّة وحقوق الإنسان. بل على المقاومة المجدية للعولمة أن تعتمد على القيم الإنسانيّة للحداثة نفسها

-المنتظم المحلي للتواصل الثقافي

خُلق الإنسان اجتماعياً بالفطرة والطبع، فهو اجتماعي بفطرته التي فطره الله عز وجل عليها، فهو لا يعيش منعزلاً ومنفرداً بل يعيش مع غيره على شكل جماعات، ويميل إلى ذلك بالفطرة والطبع أيضاً، وهذه الجماعات مختلفة الأحجام: الأسرة الصغيرة، الأسرة الكبيرة بما في ذلك الأقارب والأصدقاء، القبيلة أو العشيرة، ثم الوطن برمته، ثم الأمة التي ينتمي إليها ككل. ويبقى التفاف الأفراد بعضهم ببعض رهيناً باختلاف البيئة والمحيط الذي يعيش فيه الفرد سواء أكان ذلك باختياره المحض أم بفعل عوامل خارجية محتومة لا حول ولا قوة له في مجراها. كما يخضع الإنسان لقوانين الحياة المتعارف عليها والمتمثلة في النموّ والتغذية والتكاثر وغيرها، غير أن الإنسان يتميز عن غيره من سائر الكائنات الحية الأخرى كالحيوانات والنباتات لأنّه يمتلك القدرة على التفكير والتأمل والتعبير باللغة وتكوين الثقافة اللازمة في محيطه حتى يعيش حياة كريمة تميزه عن باقي المخلوقات.

وتختلف البيئة باختلاف حاجة الناس ومدى قدرتهم على التعايش معها والاستفادة منها. كما أن تجمع الأفراد مبني على المنفعة المتبادلة، فمنهم من يستقر بالمدن، ومنهم من يستقر بالقرى أو الجبال، ومنهم من يستقر على ضفاف الأنهار أو على شواطئ البحيرات أو البحار. فالزراعة والصناعة والصيد البري والبحري ووجود الكلأ والماء واكتشاف المناجم هي من الأسباب الدافعة للاستيطان والعيش بمنطقة ما. غير أن هذا الاستقرار هو رهين بمدى قدرة الناس في الارتباط ببعضهم البعض، وما يجمعهم من عمل وتعاون جماعي مما يؤدي إلى شيوع العادات والتقاليد والطقوس وفلكلور شعبي ينظر إليه كمؤثر اجتماعي ومؤشر على مدى تفاعل الأفراد مع تلك المقومات والعناصر الثقافية المتداخلة والتي تصبح بدورها موروثاً ثقافياً واجتماعياً قد تتوارثه الأجيال على مدى قرون.

ويمكن القول بأن الإنسان قد نجح وبشكل ملحوظ في تشكيل وتكوين العالم الخاص به، من خلال نسج روابط عقائدية واجتماعية مع غيره وكذلك إنتاج مجموعة كافية من مستلزمات الحياة التي من شأنها أن تسهّل الطريقة التي يعيش فيها، وقد ساهمت مكونات الطبيعة التي حباه الله تعالى بها والثروة الحيوانية بشتى أنواعها في البر والبحر والتي سخرها الله تعالى له في توسيع نطاق ونمط حياته اليومية، مما جعل منه مخلوقاً قادراً على أن يتغلب على الطبيعة، وجعل الثقافة هي عنوانه الأول. كما حبى الله تعالى الإنسان باللغة وجعلها علامة للثقافة، إذ هي عبارة عن العلامة التي تميز الشعوب عن بعضها البعض، لأنها تشكل الثقافة الأساسية لكل مجتمع. ومن فضل الله عز وجل أن جعل مهارة تعلم اللغة غريزة فطرية تتناسب مخارج حروفها مع تكوين الإنسان الفيزيولوجي من مخ وعينين وشفتين ولسان وحلق وأحبال صوتية يعجز العقل عن تفكيك دقة عملها ومخزونها اللامحدود من صور ومخيلات ومعانٍ ومعلومات تختلف باختلاف الشعوب، فتبارك الله أحسن الخالقين.

كما تعتبر اللغة الأداة التي يستخدمها الناس من أجل التواصل مع بعضهم البعض، واختلاف اللغات بين الشعوب هو في حقيقة الأمر الأساس في التنوع الثقافي. وبما أن الإنسان اجتماعي بالطبع، فكان لابد من تقنين مساره الاجتماعي ووضعه على شكل مؤسسات تنظم حياة الفرد وتضمن له العيش بشكل سلس وبكرامة. ومن تلك المؤسسات على سبيل المثال لا الحصر مؤسسة القضاء التي تعتبر من المؤسسات الثقافية التي بفضلها يتحقق التوازن الحضاري بين الشعوب، فجعلت الإنسان يخرج من حالة الفوضى والتعصب والوحشية التي كان يعيش فيها إلى حالةٍ من الحضارة والثقافة والتفاهم، لذلك يعتبر القانون المرجعية التي يتحاكم الناس إليها بديلاً عن العنف والإكراه والفتنة. ويعتبر الدين المرجعية الرئيسية التي توحد الناس وتلهمهم روح التعاون والإخاء واحترام مقدسات الدولة ومكوناتها والذود عنها.

وبما أن اللغة هي أداة التواصل، فإن هذا الأخير يكون بين الأشخاص من باب القرابة والقرب، مما جعل للإنسان قيمة خاصة ومركزاً يتميز به عن الحيوانات. وبما أن التواصل بين الأفراد والجماعات مبني على المنفعة المتبادلة، استحدث الإنسان أساليب شتى للتعامل فيما يخص البضائع والمعاملات التجارية، لذا يعد مبدأ استخدام الأموال في المعاملات المختلفة كنوع من التعامل من أهمّ ما يميز الإنسان، كما عمل الإنسان على اختراع أنواعٍ متعددة من النقود المعدنية وكذلك الورقية (منذ نشوء وتطور عالم الطباعة الورقية). ولم يقتصر تواصل الأشخاص والجماعات فيما بينهم على اللغة المنطوقة والمكتوبة فحسب، بل حاول الإنسان إيجاد أنواع أخرى من التواصل عبر الفن والأدب الذي ربط الحضارات والثقافات مع بعضها البعض.

ويقول أحد المفكرين الاجتماعيين بأن التمييز بين “طبيعة الإنسان” (Human nature) و”ثقافة الإنسان” (Human culture) هو المنتج الأول للأفكار والقيم والمعتقدات، وهو المنتج للعديد من المظاهر الأخرى المتمثلة في الطقوس والممارسات والنشاطات والسلوكيات وأنماط العيش المختلفة، وهذا ما يجعل عالم الإنسان الثقافي مميزاً عن عالم الطبيعة المتمثل في الغرائز التي تتحكم في الإنسان ليصبح مثله مثل سائر الحيوانات الأخرى. ولابد من الإشارة هنا إلى أن مفهوم الطبيعة يحمل بين طياته معنى الجمالية في الأشياء بحكمة الخالق سبحانه، مثل السماء والأرض والكواكب والحيوان والإنسان، فالطبيعة خُلقت قبل الإنسان، كما خلقت الطبيعة لتزين وتسهل مسيرة الإنسان على هذا الكوكب، وجاء الإنسان ليجد نفسه في عالمٍ يزخر بمناظر وجبال وأنهار وبحار لم يكن له يدٌ في تكوينها، بل لم يكن له بد إلّا أن يعيش ويطور نفسه وأساليب حياته اليومية من أجل التأقلم مع تلك الطبيعة وجعلها تخدم مصالحه وتحقق آماله في هذه الحياة. وكثيراً ما يرتبط مفهوم الثقافة بالطبيعة وكذلك طبيعة الإنسان نفسه. كما تبقى الثقافة رهينة بعملية اكتساب المهارات والأساليب التي تساعد الإنسان على التأقلم مع الوسط الطبيعي الذي يعيش فيه سواء في البر أو في أعالي الجبال أو البحر.

مفهوم الثقافة:

الثقافة لفظ متعارف عليه كاصطلاح يرمز إلى موروث الأمة فيما يخص الطابع الديني والاجتماعي وكذلك العادات والتقاليد واللباس والمأكل والمشرب والفلكلور الشعبي الخ … تلكم هي ربما الصورة النمطية التي تخطر ببالنا كلما أثير مصطلح “الثقافة” (Culture)، بل من الناس من يربطه مباشرة بالفنون من أغاني وأهازيج أو غيرها، ومنهم من يربط ذلك بالعادات والتقاليد مثلاً. وفي حقيقة الأمر فإن مفهوم الثقافة هو مصطلح محيّر لأنه يتكون من عناصر شتى يصعب ترتيبها حسب الأولوية لدى كل مجتمع.

وإذا افترضنا أن الثقافة تشمل كل شيء من صنع الإنسان ونسج خياله، فلابد من توظيف مكونات الثقافة المحلية والمقربة من الفرد لتكون أداة لتعزيز مبدئ الهوية لديه، وكذلك صقل مهارة التفاعل الثقافي لدى الأفراد والجماعات من أجل تعايش وتواصل فعال بينهم. ومهارة التفاعل الثقافي بين شعوب العالم تعتمد على مدى قدرة المجتمعات في ترسيخ مهارة التفاعل الثقافي العالمي بين الشعوب(Intercultural Competence: ICC)، ولن يتأتى ذلك إلا إذا تم إدماج عناصر من ثقافة الفرد المحلية (النقية: دون خرافات أو شعوذة) في المناهج الدراسية، وكذلك عناصر من الثقافة الأجنبية (العناصر الإيجابية منها والتي تتماشى مع مبادئ الفرد ومعتقداته). كما يجب الاعتزاز بمقومات وعناصر الثقافة المحلية وترسيخ ذلك في نفوس التلاميذ في المدارس كي يشعر الطالب بأن لموروثه الثقافي قيمة ويكون بذلك مصدر اعتزاز وافتخار، كما يجب ترسيخ مفهوم الشمولية في ثقافة الفرد إذ تجمع كل الأطياف والألوان التي تساهم في ترسيخ الهوية لدى الفرد والجماعة وتعزيز مفهوم الثوابت التي أجمعت عليها الأمة.

لقد اتضح في بحث ميداني كنت قد قمت به في أمريكا الشمالية سنة1992م كتجربة لرؤية مدى تردد إدماج عنصر الثقافة المحلية في بعض الكتب المستعملة لتدريس اللغة الإنجليزية بالمغرب، اتضح من خلاله بأن الاعتماد على الكتب الأجنبية في ميدان تعليم اللغات بجميع قطاعاتها ومجالاتها، أمر لا بد من فحصه وتمحيصه وإخضاعه للتجربة والرقابة المستمرة وذلك نظراً لعدة اعتبارات. هذا وقد اتضح كذلك بأن نسبة تداول ثقافتنا المغربية العربية والأمازيغية الإسلامية شبه منعدمة في الكتب الأجنبية التي يتم تصديرها إلى المغرب، ناهيك عن الأشياء التي تتعـارض أحياناً مع قيمنا في مجتمعنا والتي قد تؤثّر سلبياً على مخرجات المنظومة التعليمية بالمغرب.

كما أن وجود مقاييس علمية محددة لكمية أو جرعات عناصر الثقافة المحلية والكيفية التي يتم بها إدماجها في المناهج، شيء ضروري لضمان نجاح أي عملية تعليمية أو تربوية وضبط ما تحتويه المقررات والكتب المدرسية من عناصر ثقافية مفيدة، لأن انعدام ذلك يضر بالمنظومة التعليمية وبالنشء إن لم يكن عاجلاً فآجلاً. كما أن الإطناب أو الغلو في جانب أو جوانب معينة فقط من ثقافة الفرد المحلية قد يحدث خللاً في المقرر التعليمي ومردوديته، وما سبق قوله في هذا الباب ينطبق على ما يتلقاه الطالب في البادية كما هو الشأن في الحضر مع مراعاة متطلبات وقدرات كل منهما بالطبع. ورغم أن المقررات متشابهة في معظم بلدان العالم العربي، إلا أن هناك مساحة شاسعة لإدماج أهم العناصر الثقافية المحلية لدى الطالب أو الطالبة كل حسب موقعه الجغرافي. فالطّالب في البادية مثلاً لا ينبغي أن تحشر في مقرراته ومناهجه التعليمية والتربوية اليومية أشياء لا تمتُّ لمحيطه الزراعي المحض بصلة لأن ذلك قد يكون مضيعة للطاقات، دون تقريب الصورة الفكرية المبتغاة إلى ذهنه، كما أن هذا لا يعني عدم تزويده بصورة ما يجري في المدن أو إغفال ذلك، لكي تكون لديه ثقافة عامة واسعة ويكون على إطلاع عما يجري في المدن المزدحمة بالمستجدات وأساليب الحياة المضطردة أيضاً.

ونتيجة لما ذكرناه، فقد تنعكس خسارة عدم الاهتمام بثقافة الفرد المحلية لا على مردودية الطالب أو الطالبة والمؤسسة فحسب، بل على المحيط الإقليمي الصغير والكبير الذي يتواجدان فيه. كما أن الاهتمام بثقافة الفرد المحلية مع إمكانية الاطلاع على ما يدور في رحاب الثقافات الأخرى والاستفادة مما هو إيجابي فيها، يصب في مصلحة الفرد والمجتمع، ويصون قيمة موروثه الثقافي. كما أن الاعتزاز بالموروث الثقافي مع الإصرار على صون ونشر مكارم الأخلاق بين أفراد المجتمع من شأنه أن ينمّي ويصقل مهارة التفاعل الثقافي لدى الأشخاص، ويغرس فيهم روح الاعتزاز بالهوية المغربية والمحبة والإخاء وحب فعل الخيرات والإحسان كما كان متعارف عليه لدى أجدادنا سابقا.

أصبح الحديث عن الثقافة، اليوم، مقترنا بمفاهيم مثل: الاستثمار الثقافي والصناعة الثقافية والاقتصاد الثقافي، والسياحة الثقافية، والتنمية الثقافية، وهي مفاهيم تتطلب وجود رؤية واضحة وإجراءات مضبوطة، وتصور شمولي يجعلها ممكنة التحقق وفق مقاربة مركبة تراعي وظائفها المعرفية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية. ولاشك أن المغرب، وهو يقرر إنشاء وزارة للثقافة سنة 1969، كان يعي طبيعة الأدوار المنوطة بها، والوظائف التي يمكن أن تؤديها. وإذا كان هذا الوعي قد تحكمت فيه، آنذاك، طبيعة الأسئلة التي كانت مطروحة، فإنه اليوم أصبح أكثر تركيبا وتعقيدا؛ مما ضاعف من أهمية حضور الثقافي في قلب الإشكالات التي يعرفها المغرب، وضاعف من التحديات التي تقع على عاتق مدبري الشأن الثقافي

بناء على ذلك نتساءل: كيف يبدو المشهد الثقافي المغربي اليوم؟ وهل يتوفر المغرب على سياسة ثقافية؟ وأية علاقة تربط هذه السياسة الثقافية بالاختيارات العامة للدولة؟

بعض المشيرات النوعية توحي بالارتياح؛ مثلما هو الحال مع التقدير الذي يحظى به الكثير من المفكرين والمبدعين في البلاد العربية أو الغربية، أو لدى دور نشرها، لكن هذا المشير لم تساهم في تقويته الدوائر المسؤولة عن التدبير الثقافي، بقدر ما ساهمت فيه المجهودات الفردية، وفي أحيان أخرى مجهودات الهيآت الثقافية التي ينتمون إليها.

الأمر نفسه ينطبق على بعض المشيرات الكمية مثلما هو الحال مع عدد المهرجانات والمواسم واللقاءات، غير أن هذه المشيرات تحتاج إلى فحص دقيق كي نميز داخلها بين الثقافي وما يتم إقحامه ضمن خانة الثقافة. نقول ذلك ونحن نقصد مختلف المهرجانات التي تنظم والتي أصبحت في حاجة إلى معالجة ديمقراطية تعطيها نسبتها من حق الوجود الذي يسمح للإبداعات الأخرى بالتواجد أيضا، إذ يمكن للمهتم أن يقوم برصد ما ينجز خلال السنة الواحدة ليلاحظ أن مفهوم الثقافة دخل باب التعميم الذي أصبح معه استسهال إطلاقه على كل لقاء، مع هامش ضئيل للإبداع والفكر الجديين.

هكذا تصبح قراءة المشهد الثقافي بالمغرب من خلال مدخل الاختلالات قراءة مشروعة، إذ كثيرا ما تطرح أسئلة من قبيل: هل تمتلك وزارة الثقافة مشروعا للتدبير الثقافي؟ ما مكوناته؟ ما مظاهره؟ وهل وزارة الثقافة مطالبة بالتخطيط للمشروع الثقافي أم بتدبيره؟ وما دور باقي الهيئات والمنظمات الثقافية؟ ما دور الجماعات المحلية ومجالس المدن؟ وكيف ينظر الميثاق الجماعي للثقافة؟ وكيف يتم تفعيل بنوده؟ أي دور لوزارة التعليم وللمؤسسات الجامعية؟

إنها جزء من أسئلة تحتاج إلى مناظرة وطنية تعيد الاعتبار للشأن الثقافي، وتجعل مهمة وزارة الثقافة محددة في تدبير الشأن الثقافي، وليس في الدفاع عن مشروع فئة، أو مجموعة معينة، أو مرجعية ثقافية واحدة، أو نوع إبداعي معين؛ لأن ذلك إخلال بمبادئ المواطنة التي هي أساس الرؤية التي يمكنها أن تخطط للمشروع الثقافي وتدبره.

لنفحص، إذن، مسألة التدبير الثقافي حيث نلاحظ أن وزارة الثقافة لاتنطلق من تصور يجعل الثقافة في قلب الاهتمامات اليومية للمواطن، وأنها ليست لحظة استراحة،أو مهرجانا للترفيه والاستجمام، أومنافسة لاستظهار المحفوظات. ذلك أن جزءا كبيرا من الإشكالات المطروحة في المغرب اليوم هي إشكالات ثقافية؛ نمثل لذلك بقضايا الهوية والتعدد اللغوي وموقع الدين في الممارسة السياسية والتربية الجمالية والفنية… وغير ذلك من القضايا التي تتطلب تدبيرا عقلانيا وفعالا واستراتيجيا، يتجاوز اليومي والظرفي والشخصي.

الملاحظة الثانية تتعلق بدور وزارة الثقافة في تكريس تقاليد القراءة باعتبارها حاجة مجتمعية؛ مادامت السياسة الثقافية تقتضي تقريب ثمرات الفكر والإبداع من أكبر عدد ممكن من المواطنين، لأن ما حدث في المغرب هو أن الوسائط البصرية دخلت البيت قبل أن يدخله الكتاب، مما يعني أن زمننا الثقافي عرف ويعرف اختلالا في منطلقاته الأولى، وأننا لم نعش زمنا ثقافيا عاديا. ورغم أن جزءا من الأعطاب ليس من مسؤولية الوزارة بمفردها فإن نصيبها منه وافر. دليل ذلك أن منشورات الوزارة التحفيزية تعرف اختلالين كبيرين:

الاختلال الأول يرتبط بتوزيعها غير الجيد خاصة منها تلك المنشورات التي يطلق عليها الكتاب الأول؛

الاختلال الثاني: يرتبط بمعايير النشر،إذ ما الذي يفسر نشر الأعمال الكاملة لهذا الكاتب دون ذاك؟ ولماذا منح الأولوية للإبداعات عوض الكتب الفكرية؟ وكيف نفسرطبع عدة دواوين شعرية خلال سنة 2009،ورغم ذلك تحجب جائزة المغرب للشعر؟ ألا يوجد ضمن الدواوين التي أقرت الوزارة بقيمتها الإبداعية ،من خلال نشرها، ما يؤكد أن أصحابها شعراء؛مما يترتب عنه أن منهم من يستحق الجائزة؟هل يرجع الأمر إلى طبيعة اللجنة المكلفة بعمليات التقييم،والتي لايعرف أحد معايير اختيار من توكل إليهم مهمة عضويتها ؟..

الملاحظة الثالثة مرتبطة بمسألة الشفافية؛ ذلك أن تدبير الشأن الثقافي أمر يهم المغاربة الذين من حقهم الاطلاع على كيفيته، أوعلى معرفة مصوغات القرارات المصيرية فيه.ولعل المثال الدال في هذا الباب هوقرار إلغاء نتائج جائزة المغرب للكتاب لسنة 2009 في مرحلة أولى، ثم التراجع عنه في مرحلة ثانية. وخلال المرحلتين لم تقدم التعليلات أوالتفسيرات التي تحد من التأويلات المفرطة التي تعتبر أن عمل اللجنة لم يكن موضوعيا، أو أن الذوات تدخلت بعد إعلان النتائج ،وغيرها مما هو أقرب إلى الرجم بالغيب، لكنه رجم يخلف انكسارات وتشككات وندوبات. وقد يبخس القيمة الاعتبارية للجائزة نفسها، ويؤكد وجود حالة ارتباك تدبيري باتخاذ القرار والتراجع عنه علما بأن المسؤولية تقتضي التروي والموضوعية والشفافية.

تتطلب هذه الاختلالات التفكير في مقاربة توفر لها ظروف الانتعاش،و ضمنها نقترح المداخل الآتية:

* مدخل الشفافية التي تتطلب إطلاع المغاربة على مقومات التدبير الثقافي للوزارة؛ وجعل التواصل قاعدة تحكم العلاقة مع الفاعلين الثقافيين؛

* مدخل الإشراك من خلال اعتماد مقاربة تشرك الفاعلين الثقافيين في القضايا التي تهمهم؛ فأعضاء لجنة جائزة المغرب للكتاب، مثلا، ينبغي أن يكونوا بالانتداب عوض التعيين؛ حيث تنتدب المؤسسات الثقافية والجامعية من يمثلها كي تكون للنتائج صدقيتها المفقودة.

* مدخل المشاركة، والتي تقع مهمتها على كاهل الهيآت الثقافية المطالبة برصد وتوثيق وتقييم عمل الوزارة ،وإصدار تقرير سنوي مبني على مؤشرات موضوعية ترصد مقومات التدبير الثقافي كي تكون هناك سلطة معنوية ومعرفية تراقب وتثمن وتنتقد انطلاقا من تصور يرى أن الثقافة هي ما يخلق الثمتلات الفردية والجماعية، وأنها الصورة التي نقدم بها المغرب للآخرين

سهام حجري


قد يعجبك ايضا