عيوني تتوق لسحر الزمان/ تجافي سدولاً/ حافيات الظلِّ/ تحجب الأيامَ/ المفعمات بالأمان1.
قد تغدو قراءة النص الشعري الحديث، والنص الشعري عموما، من منظور مقوم
الزمان لدى البعض إجراء قرائيا غريبا، استنادا إلى أن هذا المفهوم أكثر ارتباطا بالأجناس
الأدبية السردية الأخرى كالرواية والقصة وغيرهما. وقد يبدو هذا الرهان مغامرة صعبة
فيها نوع من التكلف والتصنع. ولكن الأمر على خلاف ذلك، إذ أثبتت كثير من الدراسات
الحديثة أن مقوم الزمان حاضر بالقوة وبالفعل حضورا مكثفا في كل الأجناس الأدبية على
وعليه، يمكن اعتبار مكون الزمان من أهم مكونات الخطاب الشعري حيث يؤشر على
نموه ويتفاعل معه صوتيا ودلاليا وأيقونيا ويتفرع عن هذه الفرضية أمران: الأمر الأول أن
الزمان مكون معرفي في النص الشعري وفي غيره من الخطابات. الأمر الثاني أن الزمان
مفهوم إجرائي يمكن توظيفه في تحليل الخطاب الشعري لتفسير مكوناته وتجلياته2.
ولا شك أن ما يشجع القارئ على المراهنة على هذا الاختيار استناده إلى جملة مؤشرات
نصية وبدائل معجمية ومستويات أسلوبية تستجيب لهذا المطلب وتحفز على الفعل القرائي
وفق هذا الأفق المغاير والتي تحضر في بعض الأعمال الشعرية، ويهمنا منها في هذا
المقام/المقال تحديدا الديوان الثاني للشاعرة المغربية فاطمة الزهراء الخمليشي (انتظار..)
الصادر سنة 2014، بعد سنتين من ديوانها الأول (2011) الموسوم ب (حلم سما بي)،
ويلاحظ القارئ افتراض تداخل قائم بين عنوان الديوان الأول وعنوان الثاني، ذلك أن
الحلم، على نحو من الأنحاء، سمو والانتظار أفق وامتداد عبر الزمان. أنا بوسلة:/ لاتدري
عنوان الديوان من طينة العناوين المختزلة في كلمة واحدة، لكنها مشحونة دلاليا وتأويليا
لقابلية احتمالها أكثر من معنى، ذلك أن تنكير المركب الإسمي (انتظار) مؤشر من
مؤشرات هذا الاحتمال، وتعضد هذا المنحى التأويلي نقطتا الحذف التي ينتهي بها العنوان.
مما ينم عن قصدية خلق الانزياح عن المتداول واحتمال اللامتوقع. كما تستحضر كلمة
العنوان الزمان بكل حمولاته الفكرية والوجودية، إذ لا انتظار بدون زمان، والحال أنه
زمان سلبي لأن المنتظر مرجأ إلى الغد إلى المحتمل إلى المستقبل بما يحبل به من مفاجآت
وانتظارات. وتجسد كلمة العنوان، في انفرادها وتفردها، تيمة الصمت بما يوحي به وإليه
اختلاف أشكالها وأنواعها.
بعدُ/ مسار زمان يسري/ كليل حالك..3
من دلالات التأمل والتفكروالعزلة والوحدة والإقصاء..
1 ـ انتظار، فاطمة الزهراء الخمليشي، الطبعة الأولى، مطبعة سجلماسة الزيتون، مكناس، 2014 قصيدة (سحر الزمان)
2 ـ في معرفة الخطاب الشعري: دلالة الزمان وبلاغة الجهة، إسماعيل شكري، دار توبقال للنشر، الطبعة الأولى 2009.
3 ـ لا تسألوني، ص32.
وبناء على هذه الاحتمالات الدلالية والتأويلية، لا يجد القارئ أي تعارض بين عتبة
عنوان الديوان ولوحته الفنية التي تتوسط الواجهة الأولى للغلاف مما ينم عن حسن التوليف
والرغبة في خلق الانسجام بين العتبتين. إذ يبدو الشخص في لوحة الغلاف جالسا في حالة
انتظار وقد وضع رجلا فوق الأخرى ويده اليمنى على خده، ولا تعكس اللوحة ملامح
الشخص بدقة، ويبدو التعتيم مقصودا ليتم التركيز على الوضع والشكل الذي يدل على اليأس
والحسرة وطول الانتظار.
1 ـ زمنية الفضاء النصي:
لا مراء من القول بأن الفضاء امتداد زماني، والكتابة تشكيل لهذا الفضاء، على نحو
من الأنحاء، والتي تحضر على مستويات، إذ تختلف درجة تكثيفها باختلاف الأجناس
الأدبية، إلا أنها في النص الشعري خاصية مركزية، ولا تتحقق للنص شعريته بدونها.
والمتأمل لعناوين نصوص ديوان (انتظار..) للشاعرة فاطمة الزهراء الخمليشي يلاحظ أن
النصوص الشعرية الأربعة والسبعين تمتد عبر فضاء زمني يشغل خمسا وسبعين صفحة.
وهو ما يعكس وعيا قبليا لزمان التشكيل النصي في الديوان والذي يتأسس على تحقيق
التوازن بين كل النصوص الشعرية التي تشغل صفحتين في الغالب الأعم، وتُستثنى من
هذا التوصيف نصوص قليلة جدا. ونفس التوصيف ينسحب على تشكيل عناوين النصوص
بحيث جاءت جلها مركبة من مركبين إسميين باستثناء القليل منها عنوان قصيدة (انتظار..)
ويهيمن التركيب الإضافي على عناوين كثيرة (مرفأ التغيير، مزايا الأنوار، طيب
مبسم، خضرة الإحساس، صوت السمو، همس الوجود، صرخات الروابي، ألوان النقاء،
سحر الزمان، هَزَج القوافي، إصرار الضاد، قطرة طل، رماد السحاب، عذرية الأشجار..).
وتأتي بعض العناوين مركبة من صفة وموصوف من قبيل (وطنيٌّ أبِيٌّ، قلب خائر، غسق
شاحب، الأمل الأخضر، الأيام الخوالي). كما تأتي عناوين قليلة على شكل جمل إسمية
إستفهامية مثل (أين المعالي؟، متى الصبح؟) وتقريرية مثل (عقد فريد المعاني)، أو على
شكل جمل فعلية مركبة، وغير مركبة، مثل (لم تزهر بعد، أتصفح الأيام، لا تسألوني..).
كما ينحو السطر الشعري في جل قصائد الديوان نحو الاعتدال من حيث الكثافة اللغوية
شكليا وتشاكليا، ظاهريا وضمنيا؛ ويمتد فضاء السطر الشعري زمنيا في جل القصائد
ليحتضن ما بين كلمتين إلى ست كلمات في أقصى المسافات، ونادرا ما يتقلص السطر
الشعري إلى كلمة واحدة وعندما يحدث ذلك فإنها تأتي متبوعة بنقط حذف متتابعة اثنين
أوثلاثة. من أمثلة ذلك (قيتارتي.. / والأعوام… / يا بحر… / هيهات..! / تنتظرْ… /
وهكذا يلاحظ القارئ أن السطر الشعري لا يمتلئ امتلاء كليا ولا يضمر ضمورا
قويا. وتجنح الكتابة نحو يمين الصفحة، إذ تنطلق من اليمين في اتجاه اليسار، وينم اختلافها
وتفاوتها عن توازي الدفقات الشعورية وتناغم النبضات الحركية، بين مد وجزر، مما يؤكد
على أن جغرافية النص الشعري عند الشاعرة فاطمة الزهراء الخمليشي تتموضع بين
الامتداد والانحسار، فترسم الأسطر الشعرية جسد النصوص التي تبدو، باكتساح سوادها
لبياض الصفحات، وكأنها تمارس بدورها نفس الدور الذي أعلنته نصوص الديوان، كما
التي اختارته الشاعرة عنوانا للديوان.
كل هذا، وغيره كثير، ينم عن الطابع التركيبي والتشكيلي المنسجم والمتناغم.
الشاسع…)
أعلنته عتبتاه من قبل، العنوان واللوحة الفنية. وما أزال بلا كلل/ أخط خارطة لأفكاري/ أقول
ولا شك أن هذا الميسم التشكيلي ليس اعتباطيا بقدر ما كشف ويكشف عن لاوعي
النص الشعري أي عن طبيعة زمان الكتابة وعن أوجهها ومستوياتها، كما يكشف عن نفسية
الشاعرة، وعن نمط الرؤيا الفكرية والفنية والجمالية التي تصدر عنها نصوص الإضمامة
لها: ارسخي/ في دفاتر أسراري!4.
الشعرية.
2 ـ القيمة الزمنية للرتبة:
يمكن الافتراض منذ البدء، في قراءة نصوص الديوان من هذا المنظور، أن الانتظار
إرجاء حدث متوقع ومحدد إلى مستقبل غير محدد، وهو تجاوز للكائن ورهان على الممكن
المبني على الاحتمال والتوقع، ومن هذا المنطلق تغدو للزمان في الديوان المقروء قيمته
الفكرية والفنية. ذلك أن نصوص الديوان استشرافية على كل المستويات، نصوص تتجاوز
الزمان المعيش لتؤسس لزمان الحلم، ولا تقف عند الحاضر بكل إكراهاته إلا من أجل التوق
إلى الغد المنتظر، فتصوره النصوص كما يتراءى للذات الشاعرة بكل تجلياته ورؤاه وآفاقه.
واستنادا إلى هذه الاعتبارات تعيش الذات الشاعرة زمانا منشطرا ومفارقا، إذ يمكن
الوقوف عند ثلاثة أوجه زمانية؛: زمان الخيبة، وزمان الحلم، وزمان الانتظار. وهي أزمنة
متداخلة، قد تعيشها الذات داخل النص الواحد، وهو ما يؤكد فرضية الانشطار، واختلاف
وتعدد الإكراهات والتحديات التي تعترض الذات، خاصة عندما يصعب الفصل بين
لحظاتها الزمانية، والتي تتفاعل داخل كثير من النصوص تفاعلا كبيرا، وتتجاذب الذات
الشاعرة لحظة انكتاب النص وكتابته. وهكذا تعيش الذات انشطارا بين ثلاثة أزمنة.
ـ زمان الخيبة وهو الزمان الكائن : ويحيل في الغالب على الواقع، الواقع العربي
الممزق الذي أخطأ الطريق نحو اللحظة الحضارية الموعودة: يا عالم العربِ العريقَ/
ـ زمان الحلم وهو الزمان الممكن: وهو زمان نشاز، لا يحضر إلا على سبيل التذكر،
والحسرة، والتمني، والرجاء، ويشكل المعادل الرمزي لما هو كائن، وعالما بديلا للذات
الشاعرة التي ترنو إلى السمو والتعويض (أصبو لرقي المكان/ والزمان والمسار../ أتصفح
الأيام/ في مجلدات التاريخ/ المغبرة، الغاصة بالأسرار!)6 وحين تمضي الحياة دون طائل
(حين تمضي الحياة في انتظار وانتظار…!)7. وحين يراود الأمل الذات فترنو نحو الأفق
الحالم (يمني النفس في أفقه الحالم)8. وحين تعيش الذات صراعا بين الأمل والألم الذي
يترتب عنه عدم وضوح الرؤية لضبابية الأفق الغائم، (بين أنامل الأمل الأخضر/ تُلَوِّحُ في
المشتت الأوصال/ التائه الخطوات والأقدامِ؟!/ أين المعالي…؟؟5
أفق غائم)9.
4 مرفأ التغيير، ص7
5 ـ أين المعالي، ص2
6 ـ أتصفح الأيام، ص13.
7 ـ هكذا توأد الأفكار، ص20.
8 ـ لا تسألوني، ص35
9 ـ الأمل الأخضر، ص62

