تعتبر المسيرة الخضراء أكبر حدث شهده المغرب بعد الاستقلال، حدث تاريخي سجله المغاربة بمداد من الفخر والاعتزاز. كما أنها مناسبة يجدد فيها الشعب المغربي قاطبة ولاءه للعرش العلوي المجيد، وتمسكه بوحدة الوطن وسيادته الترابية على أقاليمه الجنوبية.
أظهرت المسيرة الخضراء السلمية للعالم أن الشعب المغربي، بمختلف شرائحه الاجتماعية في شمال البلاد وجنوبه، شرقه وغربه، يقف صفا واحدا دفاعا عن وحدة الوطن.
وهكذا انطلقت مسيرة سلمية، يوم 6 نوفمبر 1975، تلبية لنداء المغفور له الملك الحسن الثاني، قوامها 350 ألف متطوعا رجالا ونساء، شبابا وشيوخا، لتحرير الأقاليم الجنوبية المغربية من الاستعمار الإسباني، حاملين في أيديهم مصاحف القرآن الكريم والأعلام الوطنية.
ولم تكن هذه الاستجابة للنداء الملكي وليدة هذه اللحظة، بل إنها تدل على ارتباط تاريخي وثيق بين الملك والشعب، وتاريخ المغرب يزخر بالروابط التاريخية والقانونية من خلال (البيعة) التي تشهد بولاء القبائل الصحراوية لسلطان المغرب.
لقد كانت المسيرة الخضراء رسالة السلم والسلام واللجوء إلى الحوار، وبالفعل بعد مرور أربعة أيام على انطلاقها بدأت الاتصالات الدبلوماسية المكثفة بين المغرب وإسبانيا للوصول إلى حل سلمي يضمن للمغرب حقوقه واسترجاع أراضيه الصحراوية. حيث تم التوصل إلى إبرام اتفاقية مدريد بتاريخ 14 نوفمبر 1975، وهي الاتفاقية التي أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة، والتي بموجبها دخل المغرب إلى مدينة العيون سلميا، وانسحاب الإدارة الإسبانية من المنطقة يوم 26 فبراير 1976.
وقد كان لهذه المسيرة الوقع الجيد على الأقاليم الجنوبية بعد استرجاعها حيث أصبحت، تحت القيادة الرشيدة للملك، محمد السادس، ورشا مفتوحاً للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وهو المسلسل التنموي المضطرد الذي بلغ أوجهه بإطلاق استراتيجية تنفيذ النموذج التنموي الجديد لهذه الربوع في 8 نوفمبر 2015 في حفل بمدينة العيون الذي ترأسه جلالة
ويُعد هذا النموذج التنموي ثورة حقيقية ، والذي تزامن إطلاقه مع احتفال الشعب المغربي بالذكرى الأربعين للمسيرة الخضراء المظفرة، من وضع القواعد المؤسسة لسياسة مندمجة، تحفز تعزيز إشعاع الصحراء كمركز اقتصادي وحلقة وصل بين المغرب وامتداده الإفريقي.
ويهدف النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية، الذي خصص له استثمارات بقيمة 77 مليار درهم، إلى إيجاد أقطاب تنافسية، ويستند على دعامات أساسية هي تقوية محركات التنمية ومصاحبة القطاع الانتاجي وإدماج المقاولات الصغرى والمتوسطة وتطوير التنمية الاجتماعية وتثمين الثقافة الحسانية والإدارة المستدامة
وقد انتهج المغرب سياسة عملية تستهدف تنمية وتطوير هذا الجزء العزيز من ترابه من خلال إطلاق مشاريع ضخمة ومهمة بالمنطقة مكنت في سنوات قليلة من تغيير ملامح هذه الأقاليم التي كانت تفتقر إلى أبسط التجهيزات. وساهمت هذه المشاريع والاستثمارات الضخمة في الرفع من مستوى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لساكنة المنطقة، وذلك من خلال تقوية وتعزيز ودعم البنيات التحتية والاهتمام بالعنصر البشري والمجال البيئي ، مما مكن من تحقيق مؤشرات جد إيجابية بهذه المناطق.
وعلى سبيل المثال ، أضحت جهة العيون- بوجدور- الساقية الحمراء من بين جهات المملكة التي يسجل فيها أدنى معدل للفقر على المستوى الوطني حسب معطيات المندوبية السامية للتخطيط المغربية. فهذه الجهة التي تمثل نموذجا حيا لما عرفته باقي المناطق الجنوبية للمملكة شهدت لوحدها تنفيذ عدة مشاريع استهدفت بالخصوص تحديث وتطوير الموانئ، وإطلاق مشاريع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وتأهيل القطاعات الإنتاجية، وإيجاد فرص العمل لف
وقد عرف قطاع الصيد البحري طفرة جد مهمة تمثلت في تنفيذ السلطات لاستثمارات بمختلف المناطق الجنوبية استهدفت بالخصوص تعزيز البنيات التحتية لمجموعة من الموانئ كالمرسى وطرفاية وبوجدور (جهة العيون) وكذا موانئ وادي الذهب ـ الكويرة.
وتظل مبادرة الحكم الذاتي في الصحراء المغربية، التي قدمها المغرب سنة 2007، السبيل الوحيد للتوصل إلى تسوية نهائية للنزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية. خاصة أن هذه المبادرة حظيت بدعم واسع جدا من لدن المجتمع الدولي ككل، وخاصة من طرف الذراع التنفيذي للأمم المتحدة ، المتمثل في مجلس الأمن، والتي اعتبرتها في قراراتها المتعاقبة منذ 2007، بكونها “جادة وذات مصداقية”.
وبناء على طلب من مجلس الأمن والمجتمع الدولي ، جاءت المبادرة المغربية لمخطط الحكم الذاتي ذات الخصوصية، للمساهمة في تسوية هذا النزاع الذي وصل إلى طريق مسدود , وتمهيدا للحكم الذاتي، قطع المغربخطوات مهمة في تفعيل الجهوية المتقدمة في أقاليمه الجنوبية، من قبيل إحداث مجالس جهوية. على إثر انتخابات 5 سبتمبر 2015، مع صلاحيات واسعة في كافة مجالات الإدارة والحكامة المحلية في الصحراء المغربية، والانتخابات البرلمانية بتاريخ 7 أكتوبر 2016، والتي عرفت أيضا مشاركة مكثفة من قبل ساكنة الأقاليم الجنوبية.
وبنفس العزم والتحدي للدفاع عن الوطن والمساهمة في التنمية الوطنية، تحتفل المملكة المغربية هذه السنة بالذكرى 42 للمسيرة الخضراء، لتؤكد على استمرار مسيرة التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية والحكامة الجيدة لبناء مشروع تنموي يلبي تطلعات المغاربة إلى غد أفضل، والعمل المتواصل من أجل تعزيز قيم التسامح والحوار والسلام عبر العالم. وتتويج صاحب الجلالة الملك محمد السادس، حفظه الله، من طرف “التحالف العالمي من أجل الأمل” يوم الاثنين 18 سبتمبر 2017 بنيويورك، بجائزة الاعتراف الخاص للريادة في النهوض بقيم التسامح والتقارب بين الثقافات، اعتراف دولي بالقيادة السديدة لجلالته في تعزيز الانسجام بين مختلف الثقافات، سواء في المغرب أو على الساحة الدولية، وإشادة بالمقاربة الملكية الرامية إلى تعزيز قيم الوسطية والاعتدال ، والتي هي بمثابة رد على التعصب والأفكار المتطرفة.
وفي إطار مسيرته المستمرة، نجح المغرب بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، حفظه الله ، في خلق شراكات مع محيطه الإفريقي، وفق السياسة الملكية الإفريقية التي أضفت دينامية جديدة على العلاقات الاقتصادية والسياسية بين المغرب وإفريقيا، والي تُوجت بعودة المغرب إلى المؤسسة الإفريقية القارية واستعادة مكانه الطبيعي فيها.
ومن منطلق الأهمية الكبرى التي يوليها المغرب لإفريقيا، ولاستقرارها وتنميتها، أصبح المغرب أول مستثمر في إفريقيا، في إطار التعاون جنوب – جنوب الفاعل والمتعدد الأشكال, كما يعمل المغرب على تعزيز شراكاته الاستراتيجية مع دول الخليج العربية ومع مختلف الشركاء العالميين وفق دينامية جديدة متضامنة وفاعلة.
نايف شرار

