تصدر الاسلام و المسلمون المشهد من جديد على الساحتين الاعلامية و السياسية في فرنسا، حيث عرف نقاشات حادة و سجالات قوية استهدفت شريحة عريضة من المجتمع الفرنسي. و توالت الكثير من المواقف و الاراء التي تستهذفهم من جديد. و كان ابرزها خطاب الاعلامي المثير للجدل كعادته إريك زيمور . في اجتماع لبعض فصائل اليمين المتطرف. و الذي تخطى فيه جميع الخطوط الحمراء، حيث دعى الفرنسيين الى الوقوف في وجه المسلمين مشبها إياهم بالغزاة النازيين الذي اجتاحوا فرنسا إبان الحرب العالمية الثانية. فرغم إدانته قضائيا في سبتمر الماضي و الحكم عليه بأداء 3000 يورو – و هي عقوبة لا ترقى في الحقيقة الى طبيعة الجنحة – بتهمة التحريض العنصري ضد المسلمين ، فإن بعض وسائل الاعلام تمادت في دعوته و منحه منبرا إعلاميا كي يطل من خلاله على المشاهدين. مما لا يدع مجالا للشك في كون الرجل يتمتع بحصانة قوية من جهات نافذة، عكس الكوميدي المشهور ديو دوني الذي ، تعرض لحملات عنيفة سواء من النخب السياسية و الثقافية و الاعلامية ، و صدر في حقه عدد كبير من الأحكام القضائية ، و منع من تقديم عروضه الكوميدية في القاعات العمومية ، و تمت مقاطعته تماما من الإعلام العمومي بعدما كان ايقونته المفضلة سابقا. كل هذا تحت دريعة الحث على الكراهية ، وهي نفسها التهمة التي أدين بها اريك زيمو . مما يؤكد على ازدواجية في المعايير المعتمدة في تطبيق القانون في بلاد الحريات و حقوق الانسان.
ليست هذه المرة الاولى و لن تكون هي الاخيرة في هذا المسلسل الطويل الذي يستهدف ، المسلمين في فرنسا و يسعى للتضييق عليهم . و جعلهم أكباش فداء ، كلما ألمَّت بالبلاد محنة اقتصادية ، اجتماعية أو مالية ، بحيث يتم صرف أذهان المواطنينن الفرنسيين من طرف النخب المثقفة و السياسية المحسوبة على اليمين، عن أزمات البلاد الحقيقية ، و المتمثلة في ارتفاع البطالة و استفحال التضخم الاقتصادي مع تراجع القدرة الشرائية و هجرة الشركات الى الخارج.
و قد يؤدي هذا التمادي في استهداف المسلمين و الإشارة إليهم بأصابع الاتهام ، و نعتهم بانهم يشكلون خطرا على استقرار الجمهورية في مختلف وسائل الإعلام العمومية و الندوات الحوارية ، الى خلق جو من التطبيع مع هذه الهجمات الشرسة و جعلها أمرا عاديا. و ربما الى استهدافهم فعليا في أمنهم و حياتهم. كما حصل لليهود في فترة ما بين الحربين العالميتين في المانيا إبان وصول النازيين الى السلطة ، ، بحيث تم استهدافهم اعلاميا ، بوصفهم سبب ما عانته المانيا من أزمات اجتماعية و اقتصادية و عسكرية ، مما سهل على فرق الموت النازية الاعمال الاجرامية التي قامت بها في حقهم، انتهت بجمعهم في معسكرات اعتقال و تصفيتهم جسديا في ما بات يُعرف تاريخيا محرقة الهلكوست. و هذا ما أكدته بعض الاحصائيات من ارتفاع ملحوظ في حوادث الاعتداء اللفظي و الجسدي على نساء محجباب في السنوات القليلة الاخيرة، دون أن تحضى بتغطية اعلامية على غرار ما تحضى به الاعتداءات التي يكون اليهود ضحاياها مثلا ، أو سن قوانين خاصة أو صارمة كالتي تحمي الطائفة السالفة الذكر المتمثل في قانون معاداة السامية.
و في ضل هذه الحملة المسعورة، تجرأ أحد نواب حزب التجمع الوطني على الهجوم على امرأة مسلمة رافقت تلاميذ إحدى المؤسسات التعليمية في إطار زيارة تربوية لأحد المجالس المحلية ، مطالبا من رئيسة المجلس أن تطردها ، من قاعة الاجتماع باعتبارها مؤسسة ديموقراطية و لا يجب أن تذخلها امرأة محجبة، وقد خلق هذا جوا من الفوضى داخل القاعة وصل الى حد تبادل الاتهامات و التلاسن بين ممثلي أحزاب اليسار و اليمين.
وأثارت هذه الواقعة نقاشات هستيرية في مختلف وسائل الاعلام، و كأن مشاكل فرنسا كلها توقفت على قطعة قماش تضعه المسلمات على رؤوسهن كما أن الهجوم الذي تعرض له مسجد بمدينة بايون و الذي لم يخلف من حسن الحظ سيوى جريحين ، لا يمكن فصله عن كل هذا الجو المشحون ضد المسلمين .
إن الغالبية الساحقة من الفرنسيين من دون شك لا يكنون نفس العداءللمسلمين ، لكن القلة القليلة التي تحمل حقدا دفينا تجاههم ، يتمتعون بحضور هام في وسائل الإعلام المرئية و المسموعة ، كما أن خطاباتهم العنصرية التي تطبعها الشعبوية تلقى أذانا صاغية، عندما تستفحل الأزمات لَذى المواطنين البسطاء الذين انهكتهم ظروف المعيشة، ويتوقون الى التغيير كيفما كان، و لا يترددون في منح اصواتهم للاحزاب اليمينية المتطرفة. التي تهدد الاستقرار الاجتماعي ، و السلام الاهلي لفرنسا و أوروبا بل العالم أجمع.
محمد لامالي/ فرنسا

