من أجل تنمية ثقافية واعدة

سعيد أيت حمو علي

باحث ثقافي

ان عملية الاعتلاء والارتقاء بالشؤون الثقافية المختلفة في سياق الاهداف والمقاصد المنشودة والتي توفر قاعدة مناسبة لتنمية المجتمع ونضج البشرية وسموها. هذا النمط من التنمية الثقافية هي عملية دائمة ومستمرة وهو العامل المسبب للتنمية ونتيجة لها في الوقت نفسه. بالإضافة الى بروز نظريات مختلفة ومتباينة من جملتها نظرية النفود والانتشار، التي ترى أن التنمية ممكنة عن طريق اقتباس العناصر الثقافية للغرب وطرح الثقافة التقليدية وهذا التيار الفكري يؤدي في النهاية الى الانسلاب وانمحاء الهوية الثقافية وتعزيز التبعية وجمود التنمية.

وعلى الرغم من أن لجميع أعضاء المجتمع دورا في عملية التنمية الثقافية الا أن الحصة الأكبر من نصيب المثقفين الذين يسعون الى تغيير الأفكار والرؤى والقيم الثقافية عن طريق خلق الآراء والأفكار الجديدة و يوفرون الأرضية الثقافية المناسبة لتحول المجتمع من الوضع الموجود الى الوضع المنشود فلهذا يمكن القول أن الثقافة هي المجموعة الكاملة من السمات الروحية والمادية والفكرية والعاطفية المميزة التي تميز المجتمع أو المجموعة الاجتماعية. فهو لا يشمل الفنون والآداب فحسب، بل يشمل أيضًا أنماط الحياة والحقوق الأساسية للإنسان وأنظمة القيم والتقاليد والمعتقدات، أن الثقافة هي التي تمنح الإنسان القدرة على التفكير في نفسه. إنها الثقافة التي تجعلنا كائنات بشرية وعقلانية على وجه التحديد، ممنوحة بحكم نقدي وشعور بالالتزام الأخلاقي. من خلال الثقافة نميز القيم ونختار الخيارات. من خلال الثقافة يعبر الإنسان عن نفسه، ويدرك نفسه، ويدرك عدم اكتماله، ويتساءل عن إنجازاته الخاصة، ويسعى بلا خلل إلى معاني جديدة ويخلق أعمالًا يتجاوز من خلالها حدوده الإنتاج الاجتماعي ونقل الهويات والمعرفة والمعتقدات والقيم والمواقف والتفاهم، وكذلك طريقة الحياة،  بما في ذلك العادات والرموز والأخلاق والزي والمطبخ واللغة والفنون والتكنولوجيا والدين والطقوس، قواعد وأنظمة السلوك والتقاليد والمؤسسات. لذا، فإن الثقافة هي الوسيلة والرسالة – القيم والوسائل والنتائج الكامنة في التعبير الاجتماعي.

توفر الثقافة والصناعة الثقافية والابداعية فرص لتحسين الأداء الاقتصادي والاندماج الاجتماعي بالإضافة الى ضمان أجواء الرفاهية وهي فرصة نحتاج الى استخدامها بشكل معقلن خاصة على المستوى المحلي من لدن الفاعلين السياسيين والمنتخبين وصناع القرار العمومي واشراك القادة الثقافين والمؤسسات الثقافية والمبدعين في التغيير وتطوير المجال الثقافي، هدا بالإضافة الى الاستفادة من قوة الثقافة وقدتها على تغيير مجموعة من الظواهر الاجتماعية والثقافية على سبيل المثال في اوروبا يتم تصدير مجموعة من السلع الابداعية وتحويلها الى بضاعة قابلة للتصدير والانتاج وزيادة الطلب على المهارات الإبداعية بالإضافة الى محاربة أمراض مجتمعاتنا: الاعاقة، العنصرية، الارهاب والتطرف، المثلية، الامية، التخويف، العنف الرمزي، التوحد،…

ليس فقط في المجالات المصنفة والقطاعات الاساسية فالثقافة تساهم في تنمية المجالات الاخرى كالسياحة والصناعة التقليدية. علاوة على ذلك قطاع الرياضة او ما يستحسن أن أسميه ب ” الثقافة الرياضية والصحية” و الهجرة وفق ما توصلت به دراسات حديثة في العاصمة البريطانية – لندن – أن ثلثين من الوظائف والصناعات التقليدية عبارة عن مهن ووظائف ابداعية مهيكلة بنظام اجتماعي يحمي حقوق الافراد و تشجيعهم على خلق مقاولات ثقافية خاصة الصغيرة والمتوسطة ودعم الاعمال  الابداعية وتحفيز المهتمين بالحقل الثقافي والفني واشراك ( الجمعيات والمدارس والشركات والحرفيين والمؤسسات الاجتماعية: السجون دور المسنيين، الخيريات …) لأن متطلبات وحاجيات المبدع الفني والفاعل الثقافي ليست نفس حاجيات المقاول في مجال الصناعة الفلاحية أو البناء نظرا لطبيعة القطاع وتأثيرها القوي في تغير تصورات الفرد حول الظواهر المحيطة به بشكل سريع، هذا من جهة ومن جهة أخرى أن الإدماج الاجتماعي أمر يعيد للثقافة والابداع الفني رونقه وجعله قطاعا أساسيا لا قطاع ثانوي خاصة لأشخاص الدين لا يملكون عملا رسميا. وتظافر جهود القطاع العام والقطاع الخاص خاصة في مسألة الدعم والتمويل للنهوض بالسياسة الثقافية.

يوفر القطاع الثقافي حركة اقتصادية واقتصاد مبدع يخلق بدوره دينامية وحركة لذا لا يمكن أن نحصره فقط ضمن اختصاصات الوزارة أو المديريات أو ادارة واحدة بل يمتد الى كل من ( المدرسة، الجامعة، الاسرة، الصحة، الهجرة، الاقتصاد، السياحة ،السياسة والمجال الديبلوماسي…) خاصة في القرن الواحد والعشرين الذي أصبحنا نفتقد فيه مجموعة من القيم نتيجة قصور دور المدرسة وأهمية الثقافة في تنشئة الفرد داخل المجتمع والعيش في القرية الصغيرة.

مند عقود طويلة استخدمت الحكومات الثقافة والفن والابداع كأداة لخلق التنمية الاقتصادية وصياغة استراتيجية للصناعات الثقافية والابداعية في أوروبا بواسطة المباني وتشيد العمارات وربط الثقافة والسياحة والترفيه. ومواجهة تحديات المستقبل ثم دفع عجلة النمو الاقتصادي وخلق الاندماج الاجتماعي لهذا يجب أن تكون الثقافة ودعم الابداع الدي ينمي الأفكار والخبرات في قلب عملية صنع السياسات العامة والتفاتة واسعة من لدن صانع القرار والمنتخبين المحليين والدوليين من خلال الميزانيات المخصصة للقطاع الثقافي التي تعتبر ميزانيات هامشية  ثم أيضا من خلال التمويل والدعم وتبسيط المساطر القانونية والرخص المنظمة للمجال مع المواكبة والسهر على توفير التفاتة. في ما يخص الجانب الاجتماعي للمبدعين والفنانين والطاقات الابداعية وادماج الفن مع العلوم الاخرى كالرياضيات  والتكنولوجيا والهندسة وخلق ملكة فكرية وقيمة مضافة وفهم التأثير القوي للثقافة والفن في نفسية الجمهور والمستهلك.


قد يعجبك ايضا