“المسيرة الخضراء” المجد المغربي الخالد الذي يفتخر به المغاربة ملكا وشعبا

تورية عمر : الثقافة المغربية الأوروبية /مراكش

المسيرة الخضراء هي ذاك الحدث التاريخي الهام والذكرى العظيمة التي يفتخر بها كل مغربي ومغربية، هي ذاك الحشد الشعبي الذي دعا إليه الملك الراحل الحسن الثاني الشعب المغربي، وبالذات يوم السادس نوفمبر 1975، حيث انطلق مئات آلاف من المغاربة استجابة لتلبية هذا الطلب العظيم والدعوة التاريخية للخروج في مسيرة سلمية أطلق عليها اسم ” المسيرة الخضراء ” من أجل الضغط على إسبانيا لمغادرة منطقة الصحراء الغربية التي كانت تحتلها في تلك الحقبة الزمنية

نداء الملك الراحل الحسن الثاني للشعب المغربي والمشاركة في ” المسيرة الخضراء”

المسيرة الخضراء التي تخلد كل عام كعيد وطني في المغرب، في السادس من نوفمبر ، كانت وما تزال وستظل من أهم وأبرز الأحداث التي شهدها المغرب ، خاصة أنها مسيرة سلمية شارك فيها 350 ألف شخص من كل الفئات، والتي انطلقت بكلمات خالدة من الملك الراحل الحسن الثاني حيث قال : “غدا إن شاء الله ستخترق الحدود، غدا إن شاء الله ستنطلق المسيرة، غدا إن شاء الله ستطئون أرضا من أراضيكم وستلمسون رملا من رمالكم وستقبلون أرضا من وطنكم العزيز.” وهي عبارات من خطابه الشهير والاستثنائي الذي ألقاه طيب الله ثراه، مساء يوم 5 نوفمبر 1975 من مدينة أكادير، حيث أعطى إشارته لانطلاق الزحف الهائل المكون من 350 ألف مغربي ومغربية متطوعون من كل المدن المغربية للمشاركة في مسيرة سلمية وتلبية لنداء الملك القاضي باسترجاع الجزء الجنوبي من تراب البلاد الذي كان في تلك الفترة تحت الاستعمار الاسباني رغم مرور 20 عاما على إنهاء معاهدة الحماية التي كانت تخول لكل من إسبانيا وفرنسا تقاسم المغرب بينهما كدولتين مستعمرتين.

كلمات من خطاب الملك الراحل الحسن الثاني كانت ركيزة أساسية للشعب المغربي

لقد جاءت المسيرة الخضراء بعد أن خاطب الملك الراحل الحسن الثاني الشعب المغربي كأي أب في أسرته ، حيث قال بعبارات ما تزال راسخة في ذهن المغاربة والتي أصبحنا نتوارثها جيلا بعد جيل: ” كأب ومرشد لك، وكأمير للمؤمنين وقائد لسياستك، سأزودك شعبي العزيز ببعض النصائح :

أولا : شعبي العزيز ، بمجرد أن تخترق الحدود، عليك أن تتيمم على الصعيد الطاهر بتلك الرمال ثم تستقبل القبلة وتصلي بأحذيتك -لأنك مجاهد- ركعتين لله تعالى كما قال الفقهاء: “فإذا الحُسن بدا فاسجد له، فسجود الشكر فرض يا أخي”.

ثانيا شعبي العزيز، عليك أن تعلم أن هذه المرحلة من المسيرة ليست كسابقاتها، هذه المرحلة تستلزم منك ضبطا أكبر ونظاما أكثر، فعليك أن تكون مطيعا سامعا للذين هم يؤطرونك حتى يمكننا أن نسير بمسيرتنا إلى الهدف المطلوب.

ثالثا شعبي العزيز، إذا ما لقيت إسبانيا كيفما كان عسكريا أو مدنيا، فصافحه وعانقه واقتسم معه مأكلك ومشربك وأدخله مخيمك، فليس بيننا وبين الإسبان غل ولا حقد، فلو أردنا أن نحارب الإسبان لما أرسلنا الناس عزلا بل لأرسلنا جيشنا باسلا، ولكننا لا نريد أبدا أن نطغى ولا أن نقتل ولا أن نسفك الدماء، بل نريد أن نسير على هدى وبركة من الله في مسيرة سلمية.”

انطلاق الشعب المغربي من كل أنحاء المملكة تطوعا للمشاركة في “المسيرة الخضراء”

كانت هذه النصائح والكلمات التي ينطق بها المغفور له الملك الحسن الثاني في تلك الفترة بمثابة سلاح معنوي قوي جدا لكل المشاركين في المسيرة الخضراء، ودافع كبير لاسترجاع الأقاليم الجنوبية مهما تطلب الأمر ذلك، فانطلقوا في السادس من نوفمبر عام 1975 نساء ورجالا بكل عزم وقوة نحو الصحراء، حاملين الإعلام الوطنية والقران الكريم على متن القطارات والحافلات والشاحنات، من كل أنحاء المملكة المغربية، وكان برفقتهم عدد مهم من الأطباء والممرضين الذين قدر عددهم بحوالي 470 طبيبا و 44 ألفا من الكوادر المتمثلة في أفراد القوات المساعدة، والدرك الملكي وغيرهم من الأطر والسلطات والعناصر التي عملت على تأطير حماية المشاركين في هذه المسيرة السلمية، الذين تجمعوا جميعهم في مدينة طرفاية في انتظار إشارة الانطلاق الرسمية للسير والتوجه نحو تحرير الأقاليم المحتلة في مسيرة  كان هدفها سامي جدا هو استرجاع تلك المناطق المحتلة دون سفك قطرة دماء واحدة، معتمدين فقط على سلاح القرآن الكريم والعلم المغربي، حيث أفلحت المسيرة في تحقيق أهدافها بعد تجاوز الأسلاك الشائكة التي كانت تحدد مجال النفوذ الإسباني في تكثيف الضغط على إسبانيا التي لم تكن مهيأة للدخول في مواجهة مع المغرب.

“المسيرة الخضراء” حققت الأهداف المنشودة في مدة قصيرة دون أسلحة أو حرب

بعد أن استمرت المسيرة الخضراء السلمية فترة قصيرة، أعطى الملك الراحل الحسن الثاني إشارة بانتهاء المسيرة الخضراء وتم ذلك في اليوم التاسع من شهر نوفمبر حيث أعلن أنها تمكنت من تحقيق الأهداف المطلوبة التي نظمت من أجلها، وطالب من المشاركين العودة لينطلق التفاوض الذي أسفر في اليوم الرابع عشر من الشهر نفسه والعام نفسه، على الاتفاق بين كل من المغرب وإسبانيا وموريتانيا عرف بـ ” اتفاق مدريد ” الذي خرجت على أساسه القوات الاسبانية من الصحراء وتسليمها بعد ذلك للمغرب وموريتانيا.

التخطيط السليم للملك الراحل الحسن الثاني وتطوع المغاربة أعاد الصحراء إلى المغرب

إنها المسيرة الخضراء التاريخية التي كان لها الفضل الكبير في عودة الأقاليم الصحراوية إلى حضن التراب الوطني، بفضل تخطيط ناجح من الملك الحسن الثاني رحمه الله الذي كان جلالته واثقا وعلى يقين تام أنها ستكون مسيرة سلمية ناجحة مائة بالمائة، وذلك ما أكده جلالته في رده على سؤال الصحفي الفرنسي إيريك لوران والذي ذكر في كتاب ” كتاب ملك ” عن موقفه في حال فشلت المسيرة الخضراء ولم تحقق الأهداف التي كانت تسعى إليها، ليكون جوابه في قمة الذكاء والثقة واليقين بالله والشعب المغربي : ” لو فشلت المسيرة لكنت استقلت، إنه قرار أمعنت التفكير فيه طويلا بحيث كان يستحيل علي أن أترك على الساحة ضحايا لم يكن لهم سلاح سوى كتاب الله في يد والراية المغربية في اليد الأخرى، إن العالم كان سيصف عملي بالمغامرة.”

يقين وثقة الملك الحسن الثاني رحمه الله كانت قوية وأكيدة بنجاح ” المسيرة الخضراء”

هذه الكلمات كافية لتؤكد أن الملك الراحل الحسن الثاني كان واثقا من نجاح المسيرة وكان يقينه بالله كبيرا، أن هذه المسيرة ستكون ذكرى خالدة كونها حققت أهدافا مهمة جدا في تاريخ مغرب الاستعمار لم تتمكن حروب من تحقيقها بهذا النجاح الكبير، كما أنها كلمات كافية لشعب مغربي يحب تراب وطنه وعلى استعداد تام للقيام بما يلزم للحفاظ عليه وحمايته إلى آخر نفس، لتبقى المسيرة الخضراء السليمة دافعة قوية لكل جيل من الأجيال الحالية والقادمة للافتخار والشعور بالتميز كونه شعبا مغربيا حتى النخاع.


قد يعجبك ايضا