ناقش الباحث عبداتي بوشعاب أطروحته لنيل الدكتوراه الموسومة بــ ’’فنون الأداء التمثيلية الحسّانية: دراسة كرونولوجية تيماتية‘‘ في كلية اللغات والآداب والفنون التابعة لجامعة ابن طفيل بعاصمة الغرب القنيطرة، تحت إشراف أستاذة االتعليم العالي الدكتورة نورة لغزاري.
واعتبر الباحث أن الفنون التمثيلية الحسّانية في جنوب المغرب، قد بلغت منذ ظهورها إلى اليوم نضجا واضحا على مستوى الكتابة والأداء والإخراج والإنتاج، تجلى في عِدة تجارب انبَنت على تطور الفهم بأدوات وجماليات الإنجاز المسرحي والسينمائي والتلفزيوني، وقامت على استثمار مكونات ثقافة الصحراء أدبا وتراثا وتاريخا، وعلى الاهتمام بالواقع المعاصر، فقدمت أعمالا إبداعية تجاوزت سذاجة البدايات وتحررت من قيود الإنتاج التقليدي، وذلك على يد مجموعة من الرواد والمجدّدين الذين أسَّسُوا لهذه الفنون في الصحراء وطوّروها معتمدين على مهاراتهم وعلى خِبرات ممارسين محترفين من مختلف مناطق المغرب، وقد بدأت الفنون التمثيلية الحسّانية تلفت الانتباه بواسطة منجَزها المتنوع، ومشاركاتها في المهرجانات المحلية والوطنية والعربية والعالمية، ما مكنها من الانخراط الفعلي في منظومة الفن المغربي. وإذا كانت الانطلاقة الفعلية لكل من المسرح المغربي سنة 1924، مع فرقة «جوق التمثيل الفاسي»، والسينما المغربية سنة 1958، بفيلم «الابن العاق» للمخرج محمد عصفور، والدراما التلفزيونية المغربية أواسط ستينيات القرن العشرين، بمسلسل «بائعة الخبز» من إنتاج الإذاعة والتلفزة المغربية، فإن لهذه الفنون التمثيلية امتدادات جليّة في الثقافة الحسّانية، حيثُ استند المسرح الحسّاني إلى خبرات الممارسين القادمين من الشمال، واعتمدت السينما الحسّانية على دعم المركز السينمائي المغربي ووُجدت الدراما التلفزيونية الحسّانية بفضل الإمكانيات الإنتاجية التي وفرتها الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة لقناة العيون الجهوية.

كما أكد الباحث أن المسار الذي مرت به الفنون التمثيلية في الصحراء وبالرغم من كونه مسارا يشكل فترة زمنية ليست بالطويلة، إلا أنَّ الفنون المعنية قد راكمت خلاله أعمالا آن الأوان لأن تنال نصيبها من المواكبة النقدية والدراسة الأكاديمية التي من شأنها تعضيدها ودعمها، حيث إن ما يعتري هذه الإبداعات من نقصٍ يتمثل في ضعف المتابعة البحثية التي لا يمكن لأي إبداعٍ السيرَ قُدُمًا بدونها، وبناءً على ذلك، فإن “بوشعاب:” أطر موضوع أطروحته بسؤال إشكالي مركزي يرومُ رصدَ وتتبع بدايات وتطورات فنون الأداء التمثيلية الحسّانية كمًّا ونوعا، ويهدف إلى بحثِ ملامح التحولات الفنية في الأشكال والتحولات الفكرية في الموضوعات. وقد قسم أطروحته إلى قسمين، الأول كرونولوجي ضم ثلاثة فصول وثق فيها أعمال الإنتاج الدرامي الحساني في المسرح والسينما والتلفزيون، والثاني تيماتي حلل فيه الخطاب الفني الحسّاني مقترحا نموذجين من كل فن تمثيلي. واعتبر الباحث أن ما دفعه ليبحث في موضوع أطروحته هو اقتناعه وشغفه به، قائلا: «لم تكن المصادفة أو العشوائية أو الدهشة العابرة هي ما جعلت صاحب هذه الأطروحة يقرر البحث في موضوع الفنون التمثيلية الحسّانية، بقدر ما كان هاجس الاستمرارية هو الأكثر فاعلية في اتخاذنا قرار التقدم به؛ ونعني بذلك إتمام الدراسة حول الفنون الحسّانية التي بدأناها في بحث الماستر الموسوم بــ: استقبال المتلقي للدراما التلفزيونية الحسّانية، مُضيفا إلى ذلك ارتباطه الوجداني بالتمثيل مشاهدة وقراءةً، وقد تحول هاجس الاستمرارية إلى واجبٍ ألزمنا بالمضي قدما نحو نفض الغبار عن الفعاليات الفنية التمثيلية الحسّانية منذ عام 1977، وهو العام الذي عرف ظهور أول فرقة مسرحية بالصحراء، وحتى لا نسمح للإهمال بأن يمحو من ذاكرتنا تفاصيلَ صفحاتٍ من إبداعات ثقافة الصحراء التي لم تعد تقتصر على المرويات الشفهية والدواوين الشعرية والكتابات التاريخية والأنثروبولوجية فقط، بل أوجدت لنفسها ضمن استراتيجية الحفاظ على الهوية وصيانتها شكلا ثقافيا جديدًا تمثل في الفن». ويتوحى الباحث من وراء إنجازه دراسته تحقيقَ عددٍ من الأهداف العامة والخاصة، من بينها:
– تأكيد الاهتمام بالثقافة الحسّانية والإعلاء من شأنها، باعتبارها إرثا وطنيا يتمسك بالتقاليد والعادات التي ترمز لوحدة الوطن وتُسهم في تقدم الحضارة المغربية.
– جمع قاعدة مهمة من المعلومات عن مجالٍ بحثيٍّ جديد، وهي القاعدة التي يمكن أن يُعوِّل عليها الباحثون في مشاريعهم العلمية القادمة حول فنون الأداء المغربية تعميما والحسّانية منها تخصيصا.
– توسيع دائرة البحث في الثقافة الحسّانية بطرح أسئلة جديدة حول ثقافة المجتمع البيظاني بالمغرب، والتي لم تعد تقتصر على الأدب والتراث فقط، بل صارت تُنتج مكونات إبداعية جديدة.
وفي الختام منحت اللجنة العلمية بالإجماع شهادة الدكتوراه للباحث بميزة مشرف جدا مع التنوية والتوصية بالطبع، كما تقلد الباحث بأدبيات المناقشة حيث تقدم بالشكر والعرفان للمشرفة على أطروحته د. “نورة لغزاري” ومن خلالها إلى كافة أعضاء اللجنة العلمية، وهم: دة. ربيعة بنويس، دة. العالية ماء العينين، دة. فاطنة الغزي، د. حمادي هباد، د. عمر الرويضي. كما أثنى على كل من: د. “عبد الله الروملي” رئيس مركز دراسات الدكتوراه، د. “محمد زرو” عميد كلية اللغات والآداب والفنون، د. “محمد العربي كركب” رئيس جامعة ابن طفيل بمدينة القنيطرة.

