الجانب الثقافي و الممارسة السلوكية للطقوس و الشعائر المنظمة “عاشوراء المغربية ” _ رقم 2

 

فدوى بوهو– ورزازات

 

في عودة منا الى استحضار جغرافية شمال افريقيا و استحضار التنوع المجالي الذي يميزه (البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي والبحر الأحمر) (سلسلة جبال الاطلس)(الصحراء) واستحضار معه كل الخصائص والثروات الطبيعية لهذا المجال فحتما سنجد انه من الطبيعي و منذ القدم ان تعرف هذه المنطقة تحركات سكانية بموازة مع نسج لمجموعة متنوعة من الاساطير و الاطماع   ولعل تاريخ المنطقة شاهد على ذلك و في حضور مختلف لمحطات حضارية بشرية ( الامازيغ -الفراعنة -اليونان -الرومان -البيزنطيين والوندال -القوط -الفيزيقوط -العرب -الإسبان -البرتغال –الفرنجة وغيرهم ، كل هذا يوحي الى ان المنطقة شهدت حضورا متنوعا للغات و الثقافات والانظمة السياسية ، الاقتصادية و الاجتماعية بل حتى العمرانية عبر التاريخ قص على ذلك اعتناق سكان المنطقة لمختلف الديانات كمعتقدات و كممارسات طقسية .من خلال كل هذا السرد فان المغرب الاقصى بمجاله الطبيعي و التاريخي و الثقافي والحضاري و المؤسساتي يطبعه الانفتاح على كل الثقافات المحتك بها و المحيط بها منذ بداية التاريخ مما ساهم في عراقته ، وهدا ما يجعله كذلك متميزا في ظواهر الاحتفال .

وبما اننا خصصنا الموضوع لعاشوراء فلابأس من التعريج على الاسم بشمال افريقيا حيث الاسم يختلف و يتنوع من منطقة الى اخرى ، ففي المناطق الامازيغية بالمغرب نجد الاسماء التالية :أمعشور و تامعشورت و ئمعشار و تاعشورت و بوكفّوس و ؤداين ن عاشور أو ؤداين ن تعشورت و أمغار قيبّو،وفي المناطق العربية فيعرف الاحتفال باسم “عاشوراء والعاشورو عيشور و باباعيشور  و هرما والشويخ. وفي البلدان الشقيقية فاسم بابا عيشور و بوعفيف و اسم بوليفا متداول في الجزائر و في تونس الشّايب عاشوراء وفي السنغال تامخاريت ، أما من حيث الظرفية الزمانية للاحتفال فهو يدوم أسبوعا أو أكثر وذلك إذا أخذنا بعين الاعتبار الاستعدادات للمهرجانات التي تقام بمناسبته (تزنيت_سلا_فاس_مراكش_ وغيرها من المدن )،احتفالية مكوناتها من طقوس وعادات وتقاليد ومظاهر اجتماعية وممارسات اقتصادية واحتفالات شعبية، يرتبط بعضها بالمعتقدات الدينية وبعضها الآخر بالدورة الفلاحية.

ان عاشوراء /تامعشورت المغرب تعد مناسبة احتفالية اكثر شعبية تضاهي باقي الاعياد الدينية يتم فيه ممارسة الاحتفال بمختلف ابعاده الدينية و الفرجوية و الاقتصادية ، حيث جعل المغاربة من هذا اليوم يوما مميزا يتم فيه الجمع بين العديد من التقاليد و العادات و الممارسات والطقوس و التي لها ارتباط و علاقة بالطبيعة حيث الدورة الفلاحية و الخصوبة ولها علاقة بالمعتقدات القديمة

ولنعد لعادات العاشوراء المغربية، فالتجار يعتبرون هذا اليوم هو يوم “العشور و الهبة” حيث انه بمجرد حلول مساء اليوم التالي للعاشر من شهر محرم المحلات التجارية تغلق لا بيع و لا شراء باعتبار ان أي عملية تجارية تعتبر ربا ، لكن بالمقابل هناك عملية الهبات التي تقدم امام المحلات منها ما هو مادي على شكل التصدق على المحتاجين و اليتامى و المرضى و يسهر على هذه العملية من التجار بشكل مباشر ويطلق على العملية بالمغرب “لعشور” بمعنى اخراج الزكاة على الممتلكات او على شكل التصدق بالطعام ” الكسكس” في المساجد وتوزيع الفواكه الجافة و الحلويات وكذا التصدق بالنقود في المقابر وفي الأضرحة على المعوزين والمحتاجين، ومنها ماهو مادي معنوي مرتبط بالمعتقد كوضع هبات على شكل قرابين في أماكن طبيعية مقدسة للتبرك و لإرضاء أصحاب هده الاماكن المقدسة ، ومن غير المستبعد أن تكون لهذه العادة في صفوف التجار جذور يهودية كذلك، بحكم أن اليهود المغاربة كانوا يمثلون أغلبية التجار في الأسواق المغربية ونظرا للانسجام و التعايش السلمي و الذي تحول الى أصهار و أرحام وأقارب مما جعل بعض عاداتهم وتقاليدهم هي جزء من النسيج المغربي إلى اليوم.

كما تمت الإشارة في المقال 1، تعتبر العاشوراء المغربية يوم عيد من أعياد الإسلام، لكن ليس بدرجة عيد الفطر و عيد الاضحى و ان الصيام فيه هو اختياري إضافة إلى أن الأصل في صيامه يعود إلى عادة اليهود والنصارى وإلى عادة العرب في الجاهلية أيضا؛ وذلك قبل أن يسن الصوم في الإسلام وبما انه يعتبر عيدا فالأكيد ان هذا الظرف المناسباتي ستعقبه احتفالية مما يتطلب استعدادات و تحضيرات تبدأ منذ مطلع شهر محرم، حيث تمتلئ الأسواق بالتمور والفواكه الجافة وحلوى، وهذه الفواكه هي المعروفة بـ“الفاكية” كونها تعتبر أحد لوازم الاحتفال بالعاشوراء المغربية ، ويعد استهلاكها وتفريقها على الأهل والجيران وأطفال الحي مظهرا من مظاهر الاحتفاء ويصاحب ذلك شراء الآباء هدايا للابناء وهنا فرق بين هدايا الفتيان و هدايا الفتيات وهذه الهدايا غالبا ما تكون عبارة عن لعب للفتيان أو الدمى والبنادر والطعارج للفتيات. كما يتم إعداد حطب الموقد وتجميعه علما انه نوعية الحطب وافضليته تكون حاضرة بقوة حيث تمنح الافضلية لبعض الأشجار التي تعتبر “مباركة”، أي تلك التي تعتقد العامة أن لها “بركة” كشجيرات الدفلى والزعتر والحلفاء وأشجار الزيتون البري (الزبوج) والزيتون المثمر والنخل وغيرها ، كما ان هده الاحتفالية للنساء حق كبير فيها حيث يتم التجميل و التزين بأجمل الحلي و الملابس وطلاء الحناء على الشعر و الايادي و الارجل في ليلتهن التي تسمى ب”ليلة شعالة” ويجب ذكر ان هي ليال عديدية قيبل للة الشعالة تخرج النساء للرقص و الغناء خصوصا الشابات في مظاهر الزينة والبهاء وهن يضربن البنادر والطعارج مرددات: “هذا عاشور ما علينا الحكام أللا.. فعيد الميلود كيحكمو الرجال أللا…”، في إشارة إلى أن الرجال لا سلطة لهم عليهن باعتبار ان هذا الاحتفالية الراقصة بهذا هي لهن ،اما الأطفال فلهم طقسا خاصا يبدأ ألاطفال داخل الاحياء بالتجوال عبر الدروب والأزقة محملين بالطعارج حيث يطرقون أبواب المنازل مرددين أهازيج خاصة بهذه المناسبة لطلب “حق عيشور”، مع عرضهم لعظمة من خروف العيد مزينة بالحناء ومغطاة بثوب على أنها “بابا عاشور” هذه الشخصية ألاسطورية لا أحد يعرف أصل هذه الأسطورة التي تظهر في أهازيج الفتيات وهن ينقرن طعاريجهن المزركشة، ويهتفن: “هذا عاشور ما علينا الحكام أللا.”.. او” عيشوري عيشوري عليك دليت شعوري…” لاشئ سوى ان هذه الشخصية الاسطورية موغلة في الثقافة الشعبية المغربية، وما يميزها هو قدرتها على الغناء وهي رمز الطيبوبة توحي بالتكافل والتضامن وترسيخ دور الوسيط لدى الفئات المعوزة.

عشر ايام هي اذن قبل ليلة العاشر من محرم كلها استعدادات و تحضيرات و احتفالات مختلفة ، والتي يسميها المغاربة بـ”العواشر” ،عند حلول ليلة عاشوراء تضرم النيران من طرف شخص له بعض القداسة التي يستمدها من تكوينه في أمور غالبا ما يكون امام المسجد او من احد مريدي المدرسة القرآنية “أمحضار” ، وتعرض الحيوانات والدواب للدخان بأن تمر من خلال الدخان المنبعث من نيران المباهج، ثم يليها أفراد الأسرة واحدا تلو الاخر وهذا لما لدخان نيران عاشوراء من بركة تطرد الأرواح الشريرة وتُطَهِّر المنازل وتجلب السعد حسب معتقدات عامة الناس، فإذا كان عاشوراء عند البعض ذكرى مأساة الحسين ومناسبة التكفير عن ذنب يتم فيها تعذيب الذات بإسالة الدماء فإن الاحتفال بعاشوراء عند المغاربة يميل نحو ما هو كوني وطبيعي أكثر مما هو سياسي / اجتماعي إنه يسعى إلى إعادة التوازن سواء تعلق الأمر بما هو طبيعي أو بما هو إنساني، الاحتفالية الكبري و التي تعرف “بليلية الشعالة” تشهد الساحات العامة فيها (اسايس لدى الأمازيغ/و المشوار لدى العرب )ظاهرة إشعال النيران ، وبعد إيقاد النار يبدأ القفز عليها باعتبار أن ذلك يزيل الشر ويبعده، بل إن البعض يشعلون النار في أفنية منازلهم ويأخذون في الدوران حولها وهم يطبلون ويزمرون ويغنون، ويجتهد الفتيان في تأجيج اشتعالها لأطول مدة من الليل ، ويأخذون في القفز فوق اللهيب، في حركات بهلوانية يرافقها القرع على “الطعاريج” بأهازيج شعبية من قبل النساء، وبما اننا قلنا انه عيد النساء بامتياز لا حكم فيه للرجال وهذا على حسب الاهازيج التي ترفع فيه “هذا عيشور ماعلينا الحكام…”فإن للنساء فيه معتقدات و ممارسات أخرى باعتبار ان الساحة العمومية والليلة هما مجالا للتعبير الحر الذي يخرج عن العادة والمألوف فيتم استغلال الفرصة للتبرك و تقديم قرابين للنار من ملابس داخلية و باقية الاظافر و الشعر المقصوص وغيرها من الاشياء ممزوجة بأعشاب عبارة عن بخور وطلاسيم و تعويذات وكل على حسب الرغبة و المعتقد منهن من ترغب في اعادة التوازن للعلاقة الزوجية او الحصول على الود و المحبة من المحيط و الاسرة أو الرغبة في الزواج او كسب الجمال و الشعر المتين الطويل …..ومن دون أن ننسى فإن الاحتفال يعقبه مأدبة يتجمع حولها جميع الاحباب و الاقارب ففي المكان الاخر المخصص لإبداعات المرأة المغربية في فن الطبخ فتجد جميع النساء في مأدبة العشاء الخاصة لليلة الشعالة يتحدن في الاكلة التقليدية المعروفة بالكسكس يطلق عيله سبع خضاري بالّذيالة فمن خلال الاسم نعرف مكوناته و هي الكسكس و سبع خضر وطبعا الموسمية اضافة الى الذيالة وهي مؤخرة الخروف وذنبه المحتفظ بها من أضحية العيد لهذا الغرض، ومعها شيء من القديد وهي اللحم المجففة و المملحة يتم صنعها و الاحتفاظ بها منذ عيد الاضحى و الكرداس عبارة عن أمعاء الكبش المجففة .

عاشوراء المغربية من الناحية الدينية ومن زاوية المذهب السني ، يبقى المسجد والمنزل وكدا المقبرة الفضاءات التي تتم فيها الطقوس المستحبة بمناسبة هذا اليوم كالصوم والصلاة وصلة الأقارب وزيارة المرضى وتلاوة القرآن والاغتسال والاكتحال وإخراج الزكاة والصدقة على اليتامى والتصدق بالطعام ،أما في المشرق، خاصة في إيران والعراق، فالفضاء هو المسجد أو الشوارع، حيث تقام طقوس الحزن والألم وذكرى مأساة مقتل الحسين هو ومن كان معه في كربلاء. وما يتسم به عاشوراء المغرب سواء تعلق الأمر بالتسمية أو الظرف الزماني أو الظرف المكاني أو الظرف المناسباتي أو الظرف الطقوسي، هو التعدد والتنوع والانفتاح مناسبة تسمح للجميع بأن يشارك فيها :أطفال ونساء ورجال يتقاسمون الأدوار في الفضاء العمومي الذي بقي فضاءا أمثلا للمناصفة والتبادل وممارسة الحرية في المعتقد و في التعبير ” بين مختلف الفرقاء مما يجعل مفهوم التصالح و المصالحة وكذا مفهوم الانصاف أرضية تنتجها هذه المناسبة في مختلف تجلياتها الاحتفالية مما يجعلها تتسم بخصوصية و يجعلها تتميز عن باقي الاحتفالات بالعالم الاسلامي .

 


قد يعجبك ايضا