فدوى بوهو /ورزازات –المغرب
11/01/2016
الشهر الأول من السنة الامازيغية يحمل اسماءا مختلفة بحسب اختلاف اللهجات الأمازيغية في شمال أفريقيا ،إضافة إلى أن التقويم الأمازيغي يزيد تسعمائة وخمسين سنة عن التاريخ الميلادي، فمثلا توازي السنة الأمازيغية 2967 السنة 2017 الميلادية وقبل الحديث عن السنة الامازيغية يجب التذكير أن هذا الشعب الذي يحتفل بهذه المناسبة التاريخية والتي ليس لها ارتباطا بأي حدث ديني أو تعبدي فقط هو تقليد راسخ في ثقافات شعوب ممتدة على نطاق واسع مترامي الأطراف في اثني عشر بلدا إفريقيا يمتد على نطاق البحر الأبيض المتوسط الى جنوب النيجر ومن المحيط الأطلسي إلى مشارف النيل،و ما يزال سكان هذه المناطق يحيونه بطقوس مختلفة باختلاف التقاليد والعادات، وهو تقليد مرتبط بالطبيعة وبالموسم الفلاحي ما يميزه كونه احتفال مدني بامتياز يقام خارج فضاءات المعابد يرمزالى تشبت الانسان الامازيغي بالأرض وخيراتها ولا نستغرب إذ تصادف السنة الفلاحية الامازيغية الذي يوافق فاتح يناير منها يوم 14 يناير من السنة الميلادية وفق التقويم الكريكوري الامازيغي وهو تقويم شمسي فلاحي
وحيث تشير الطقوس إلى مدى ارتباط الإنسان الأمازيغي القديم بأرضه ومدى اندماجه في الطبيعة من خلال ممارسة بعض التعبيرات التي يرجى منها إبعاد شبح الجوع والتماس أسباب الخير والسعادة التي لا تكون بالنسبة للإنسان الأمازيغي إلا بوفرة المحاصيل، فبداية العام تشكل نهاية وخاتمة للمؤونة الماضية وبداية التحضير للمحصول القادم. تاريخيا يعد التقويم الأمازيغي من بين أقدم التقويمات التي استعملها البشر على مر العصور، إذ استعمله الأمازيغ منذ أن اكتشف الزراعة ومارسها في العهد القبصي والذي رافقه اهتمام بالظواهر الطبيعية والفلكية وما تخلفه من تأثيرات على الأرض ويؤكد ذلك المؤرخ الفرنسي غوتييه : بان الأمازيغ لم ينتظروا أحدا ليعلمهم الزراعة ويعتبر 14يناير أول يوم في السنة الأمازيغية وهو التاريخ الذي يفصل بين زمنين طبيعيين ، زمن البرد والاعتدال الذي يصادف عادة بداية تجديد الطبيعة لدورتها الحياتية أو ما يعرف بخروج الليالي البيض ودخول الليالي السود حيث خلال الليالي البيض لا تكون التربة صالحة للزراعة ومع دخول الليالي السود تصبح التربة صالحة للبذر ، لهذا يبدأ الناس في تهيئة الحقول ومباشرة الأعمال الفلاحية حيث تجتمع مختلف الاحتفالات التي تصادف هذا اليوم على تمجيد الطبيعة والإكبار من شأنها والتماس الأسباب التي يعتقد أنها تجلب الخير والإنتاج الوفير. ولكن ظل الاحتفال برأس السنة الأمازيغية احتفالا فلاحيا موسميا وحدثا تقليديا مرتبط أساسا بالأرض
الشهر الأول في السنة الأمازيغية يسمى “ين أويور”، وهي كلمة مركبة من ” ين” أي واحد و “يور” أي الشهر، أما اليوم الأول فيسمى”إيخف ن أسكاس” أي رأس السنة، وأما ليلة السنة الجديدة فتسمى”إيض ن أسكاس” وهي كلمة مركبة من “إيض” وتعني الليلة وأسكاس وتعني السنة، ويطلق عليها كذلك “أذاف أسكاس” أي دخول السنة الجديدة أو “إيض ن ناير” أي ليلة يناير أو أمغار أو الحاكوز أو حكوزة( العجوزة و يقصد بها الليلة الأخيرة من السنة المنصرمة) ومرد الاختلاف في كون رأس السنة الامازيغية هل هو 11 او 12 او 13او14 يناير الى كون الاحتفالات كانت تدوم بين ثلاث ايام الى سبعة .. ويتم الاحتفال باعداد وجبات الأكل التي تنتجها الأرض من “كسكس” حيث يتم إعداد طعام الكسكس من دقيق الشعير ومن جميع أنواع الحبوب والخضر المعروفة في منطقة يوضع فيه نوى تمر واحد، يعتقد أن من يجد هذه النوى أثناء الأكل سيكون سعيدا ويعتبر المحظوظ والمبارك فيه خلال السنة وتمنح له مفاتيح الخزين ” المخزن ” طمعا في عام فلاحي زاهر ومثمر. و أكلة” أوركيمن” يستعمل فيها جميع أنواع الحبوب والقطاني التي أنتجتها الأرض خلال تلك السنة، و”البيض المسلوق “و”البركوكش” كما توضع فوق الموائد أطباق تقليدية ” إينوذا” مليئة بالفواكه الجافة من لوز وجوز وتين وزبيب… “الكليلة” وهو لبن يتم تجفيفه محليا في مواسم وفرة الحليب، إذ يحول إلى حبوب تشبه الحصى، وخلال احتفالات رأس السنة يصبون الماء على هاته الحبوب ويصنعون منها لبن الكليلة الذي يوزع على الضيوف وأفراد العائلة، وغالبا ما يوزع إلى جانبه اللبن الطري إذا توفرت عليه العائلة يوم رأس السنة،” ثيغواوين” أو” تيموياز “التي يتم إعدادها بتحميص القمح أو الشعير ووجبة “إمشياخ “التي تجمع بين القطاني كالعدس والفول والجلبان والحبوب وخاصة الذرة والقمح إضافة إلى الثوم، كما يتم إعداد وجبة البقول “إغديون “أو” إوذب” وذلك من النباتات التي تكون موجودة في فترة الاحتفال. “أبون أو أرفيس” بالدجاج البلدي واكلة ” تاكلا”.. الخ وهذا كله يجب ان يكون جاهزا قبل غروب الشمس.كما يتم في هذا اليوم غرس أشجار الزيتون ويكون رأس السنة الأمازيغية مناسبة لتبادل الزيارات العائلية وإنهاء الخصومات وإقامة الصلح ومناسبة كذلك للتضامن الاجتماعي عبر تجميع الصدقات وتوزيعها على الفقراء والمحتاجين. كما يتم طلاء المنازل وتغيير الاواني القديمة والبعض يغير موضع الكانون ( انيان ) وتتوقف الاشغال ك ( اسطا ) اي المنسج , وبعض المناطق الامازيغية تحتفل بإقامة ” كرنفال الأسد ” ( وهذا الاحتفال هو ما يرجح نظرية اعتلاء شيشناق للعرش الفرعوني) , عموما يتم تقديم كل ما لدى الامازيغ من خيرات إذ لا مجال للشح في ” ايض ن يناير ” اي ليلة يناير او ” امنسي ن يناير” وهناك وجه اخر من الاحتفال إذ أن النساء يتزين بالحناء والكحول وهناك العاب طقوسية للأطفال بهذه المناسبة كصنع الفتيات دمية بهيئة عروس وتعرف ب ” ثاغنجا ” او اغنجا ” حيث يطفون به استدرارا للمطر على أمل سنة ممطرة ..
للإشارة فان القبائل الامازيغية تشترك في خاصية أساسية في ما يخص الاحتفال برأس السنة الامازيغية هي الاستبراك بموسم فلاحي جيد والتضرع إلى الله ليبارك زرعهم وضرعهم ويزيد فيه ن وأنها قد توارثت تقاليد الاحتفال منذ 950 سنة قبل الميلاد بشكل رسمي ومنتظم عند انتصار القائد الأمازيغي في معركة حاسمة ضد قائد الفراعنة رمسيس الثاني إذ كان الفراعنة قبل هذا التاريخ ينظمون هجمات متكررة على بلاد الأمازيغ للاستيلاء على أرضهم وخيراتهم ونهب ثرواتهم وهي تعد أول حرب في تاريخ الانسانية يخوضها شعب لتحرير أرضه وحدثا تاريخيا هاما في التاريخ الأمازيغي القديم ثم صعوده الى عرش الحكم الفرعوني وتأسيسه للأسرة الفرعونية الثانية والعشرين فكان ذلك التاريخ بداية الحساب أو التأريخ للتقويم الأمازيغي الذي يبلغ اليوم 2967 سنة وتوثق النقوش التاريخية المحفورة على أعمدة معبد ″الكرنك″ في مدينة الأقصر بمصر لهذا النصر العسكري وتتحدث تلك الآثار بالتفصيل… وقد اختلفت الآراء في كيفية وصول هذا الزعيم الى ذلك المنصب , فهناك من يقول بفرضية هزمه للجيوش المصرية حين اراد الفراعنة احتلال بلاد الامازيغ وان المعركة دارت رحاها على ارض تقع بين المغرب وتلمسان ، وهناك من المؤرخين كذلك من يعتبر ان وصول هذا الزعيم الأمازيغي لذلك المنصب لم يكن عن طريق الحرب بل بترقيته في مناصب الدولة الفرعونية حيث اسس الاسرة 22 التي حكمت مصر قرنين من الزمن … بل وهناك من يذهب ابعد من ذلك واعتبار ان الامازيغ يحتفلون بهذه السنة منذ 33000 سنة قبل الميلاد وسندهم في ذلك الوثائق التاريخية والآثار الاركيولوجية والانتربولوجية ….
وللتذكير هذه أسماء الأشهر بالأمازيغية : يناير، فورار، مغريس، برير، ميو، جونيو، يوليو، غشت، شتمبر، كتوبر، نونبر، دجمبر.وفصول السنة، وطول الشهور، عند الأمازيغ هو نفسه في التقويم اليولياني: ثلاث سنوات مكونة من 365 يوما تليها سنة كبيسة مكونة من 366 يوم، والشهر ينقسم إلى 30 أو 31 يوم مع بعض الاختلافات الطفيفة في حسابات شهر فبراير وهذا يؤكده جون سيرفيي (Jean Servier) بأن التقويم الأمازيغي ليس مشتقًا من التقويم اليولياني كما يظن علماء الفلك الغربيين اليوم ، وإنما من التقويم الفلاحي الأمازيغي حيث عندما عزم الرومان على تطوير فلاحتهم لم يروا في التقويم الروماني القمري التقليدي جدوى فما كان على يوليوس قيصر الا الاقتداء بالتقويم الفلاحي الأمازيغي وبالحساب الشمسي واستعان في ذلك بعالم الفلك الأمازيغي أو الليبي حسب التسمية القديمة سوسينغ (سوسينغيوس كما يسميه الرومان) ثم أضفى عليه فيما بعد البابا غريغوريوس بعض التعديلات وبالتالي تصح تسميته بالتقويم الأمازيغي-الغريغوري وهو نفسه المعتمد حاليا كما يؤكد كذلك إيدمون دوتي الباحث الفرنسي:بأن التقويم الامازيغي إلى عهد قريب كان هو السائد في اليونان.

