عدد من دول إفريقيا جنوب الصحراء كانت مثل ورقة توت تتقاذفها ظروف وتتوزع مصائر شعوبها نحو المجهول . . . فبمجرد خروجها من حروب استعمارية حتى تقحم في حروب داخلية ، فيتمنى التخلف والارتداد الاجتماعي والاقتصادي الأمر الذي يفرز ظروفا عصيبة تعصف بمكونات مجتمع ظل . . . ولا زال ينشد للسلم والاستقرار. . . و من هذه الدول رواندا ( البلد الألف هضبة ) والتي تعتبرها الأمم المتحدة من بين 25 بلدا الأكثر فقرا وهي تقع على مساحة 20.338 كلم دون منافذ بحرية ،تستفيد البلاد من نهر اكاكيرا ( 400كلم احد روافد النيل ) تحدها أوغندا ، وتنزانيا ، برواندي والزايير … لغة الشعب كينوارندا والإدارة فرنسية ، تصدر برواندا بعد الجرائد منها : ترافيبرو باللغة المحلية وجريدة رواندي ملتقى إفريقيا بالفرنسية ،بالإضافة إلى الأجهزة السمع بصرية التابعة للدولة توجد كذلك إذاعة سالوس بجامعة رواندا الوطنية لتدريب الطلاب . . .
بحصول رواندا على استقلاها عن التاج الجيكي سنة 1962 المناسبة التي يحتفل بها سنويا بالعاصمة كيكالي كل عام في فاتح يوليوز رغم ان الاستعمار وعوامل عرقية ستحكم على البلاد بالحرب مابين مكونين قبليين أساسيين : الهوتو من الفلاحين الفقراء ويشكلون الأغلبية بنسبة 92 % ، ومن التوتسي من ملاكي المواشي ويشكلون الأقلية عدديا والأغلبية من حيث التأثير الاقتصادي والسياسي في بلاد يعاني من الاضطرابات ونجد الوتوا 1 % يمارسون باقي المهن والمهام في دولة. وهدا التقسيم بين القبيلتين نمته المملكة البلجيكية أثناء احتلال البلاد خلال القرن الماضي من خلال إحداثها ما سمي ” ببطاقة الهوية ” يدون بها اسم القبيلة وقد ظل الصراع قائما ما بين مكونات المجتمع للتفرد بالحكم دون أن يحسم الأمر بين الأطراف المتنازعة فهذه الجبهة هي منافس القوات المسلحة الرواندية ، مما جعل البلاد تظل تحت رحمة أصوات البنادق والجثة المتعفنة تنتشر في الشوارع الوضع الذي ينمي الحقد والكراهية بين مكونات المجتمع وتظل الحرب تنهك البلاد ولا تشجع على إقامة وضع امن وقد ترسخ أن ” رواندا ، بلد البارود والجوع ” بلد تحت قبضة المتحاربين . هذا الوضع ابعد كل تفكير في تشييد صروح للثقافة وسط فقدان الناس للدواء والأكل فلا المشاكل البنيوية تم حلها ووضع حد لها ، ولا الثقافة اهتم بها الساسة الغير القادرين على تامين مقاعدهم . وبعد أن توقفت أصوات البنادق وبعد أن أقامت البلاد انتخابات أفرزت عن فوز رئيس وتشكيل حكومة ومنذ ذلك الحين بدأ البلد بخلق محفزات ليستعيد البلد وضعه الطبيعي الأمر الذي سيتحقق مع بقاء نفس الرئيس الذي ظل يحافظ على إجراء الانتخابات في موعدها الأمر الذي يعد إلى حد ما حافزا لكي تحقق رواندا نموذجا للبلدان النامية. وقد جاء في تقرير لموسوعة ويكبيديا الرقمية أن : ” محطة سي إن إن عرضة تقريرا يظهر قصة نجاح رواندا العظيم، حيث حققت الاستقرار والنمو الاقتصادي (متوسط الدخل قد تضاعف ثلاث مرات في السنوات العشر الأخيرة) والاندماج الدولي. ، كما أن العاصمة كيجالي هي أول مدينة في أفريقيا تتشرف بأن يمنح لها جائزة زخرفة المساكن مع جائزة شرف لاهتمامها بالنظافة والأمن والمحافظة على نظام المدينة النموذجية ، وفي نفس الوقت المشاريع الدولية في مجلات عدة أهمها المحافظة على البيئة وارثها خصوصا بالمحافظة على صنف أعلى القردة وحيوانات أخرى . . .
سينما / ترصد الوضع وصراعات ” الإخوة الأعداء “
هذا الوضع هو السمة( القاتمة) التي ستنشئ وتترعرع وقد تكبر تجارب سينمائية ببلد إفريقي غير مستقر امنيا أو اقتصاديا يسمى رواندا التي عرفها العالم ببلد حروب الإبادة العرقية خلال النصف الأول من تسعينيات القرن الماضي فإذا كانت وسائل الإعلام الباحثة عن الخبر لملئ البيضات بصفحاتها وبرامجها الإخبارية المتلفزة والمسموعة فان رواج مثل هذه الإخبار المؤلمة خصوصا حرب ” الإخوة الأعداء ” قد تتحول إلى ( ملهمة ) إما بشكل مستفز باعث على نسج حكايات نابعة من صوت البنادق والرشاشات آو تتحول إلى مبعث لاقتفاء أثار مجندين في مقتبل الأعمار يحاربون بدون قضية يحاربون من اجل ملئ بطونهم ، فالحرب حرب ” إخوة أعداء ” حرب مناهضوها أكثر من (المساندين ) الأمر الذي كان مدعاة لاستقطاب سينمائيات وسينمائيين ( ألهمتهم ) الحرب الرواندية ومن المعتقد أن يكون السينمائي لهايتي الذي أبدع في أشرطة سينمائية تعالج قضايا حقوقية ببلاده في أبعادها الإنسانية ولعل أكثرها تأثيرا ضمن فيلموغرافيته شريطه المتميز رجل على الرصيف ، نقول أن راؤول بيك جاء لرواندا ليتابع مشروعه السينمائي من خلال شريط تلفزي عنوانه أيام من ابريل الذي صور أهم مشاهده بفضاءات رواندية حقيقية عن حياة عائلة تختلف أثنيتها من التوتسي وهي القوة الضاغطة كما جاء أعلاه و الهوتو المنافسة لها وقد لعب هذا التنوع ألاثني داخل نفس العائلة في التحامها عند وفاة رئيس ينتمي إلى إحدى الاثنيات .
وفي ظل وضع تنبع منه روائح البارود وأشلاء الجثة عبر سينمائيون روانديون ، وقد تم إنشاء القطاع السمعي-البصري ” المكتب الوطني للبث والإعلام ” ووظيفته رسمية تحت وصاية الأجهزة الحاكمة وتتحول لغيرها بمجرد ما تتغير الموازين لطرف آخر وفي غياب معطيات دقيقة حول البنية السينمائية لرواندا والحصيلة الإبداعية في المجال وهذا الغياب يمنح لنا الحق في الاستعانة بما تعرفنا عليه بمهرجان السينما الإفريقية بخريبكة خلال الدورة الثامنة : على شريط 100 يوم لنكولا سكوينت وهو مقاربة سينمائية للفترة التي استغرقتها حرب الإبادة العرقية التي قامت بها جماعة الهوتو في حق إخوانهم الأعداء حيث تم ذبح 8 ألف توتسي بالمناجل في ظرف استغرق 100 يوم دون أي تدخل من الدول المهيمنة على البلاد ( فرنسا – بلجيكا ) بل قامت بتامين رحلات خاصة بمواطنيها والدورة الخامسة عشر على تجربة سينمائية أخرى للمخرج كيفو رهورا هونا حول سينمائي يتسارع لانجاز شريط سينمائي وهو الأول ضمن فيلموغرافيته ” دورة صرصار ” وهو قصة تدور أحداثها حول شابة رفقة أخيها الذين نجيا من مصير قاتل خلال نشوب أعمال وحشية ، هذا المصير المؤلم يوازيه وضع شخص نزيل احد المستشفيات للأمراض العقلية .. ونفس المخرج له شريط آخر يحمل عنوان جوم حول شخص يميل لممارسة الجنس المثلي داخل مجتمع محافظ الموضوع الثاني ضمن نفس الشريط حول مفهوم الاستقلال السياسي والاقتصادي في مجتمع شردته حروب الإخوة الأعداء ، لنتعرف على في ذات المهرجان على شريط ” ايمبابانزي – العفو ” حول محارب شارك في حرب الإبادة العرقية التي وقعة برواندا ، الحرب التي عوقب على إثرها بالاعتقال خمسة عشر سنة إلا انه بعد قضاء الفترة السجنية يجد نفسه مطالبا بتأدية ثمن ما اقترفه في حق عائلة كاريميرا التي سبق أن مارس عليها المحارب مانزي تعذيبا همجيا ، مما يفسر أن أثار الثار لن تمحها عقوبات سجون النظام القائم وإنما يجب أن يكون الصفح بين مكونات المجتمع وشريط الصفح الذي أنجز بإمكانيات تفوق ما يمكن أن يمنحه بلد يعيش الحروب فقد وضفة له إمكانيات تقنية وبشرية هائلة والتي أدارها بإحكام السينمائي الرواندي جويل كاريكيزي وانتزع بواسطته شواهد الاعتراف عبر جوائز عديدة بمهرجانات سينمائية افريقية ، وجويل كاريكيزي بالإضافة لشريط الصفح له شريط رحمة الغاب الذي حصل على دعم لانجازه من مهرجان السينما الإفريقية دوربان بجنوب إفريقيا .
أما السينمائيين الروانديين وغيرهم الذين جعلوا من هذا البلد مرجعا لأعمالهم السينمائية خصوصا من تطرقوا لحرب الإبادة العرقية التي تعرض لها التوتسي نجد المخرج تيري جورج صاحب نزل بالعاصمة كيغالي والذي عايش هذه الحرب فأنجز شريط عما شاهده في شريط يحمل عنوان فندق رواندا والذي خيب آمال التوتسيين الذين تعرضوا للإبادة الجماعية ولم ينصفهم الشريط الذي يدعوا إلى محوا صفحات الماضي وإنهاء كل حسابات بين الإخوة الأعداء بالإضافة إلى حراس الذاكرة للمخرج ايريك كابرا ونباح الكلاب للمخرج مخائييل كتون جونزو … الخ
بعد رصد الحرب سينمائيا ليبدأ الصفح .
مع بداية القرن الحالي انطلقت أصوات من داخل البلد الجريح ومن القارة ومن خارجها من طرف الأصوات الحرة بالتوقف عن الحديث المؤلم والعمل على معالجة قضايا أخرى تمس الإنسان الرواندي البسيط ، رغم أن المحاولات انطلقت إلا أن البعض منهم لازال يعتقد أن هناك أشياء واحداث يلفها الغموض او التجاهل فتحتاج للمعالجة ومن هؤلاء السينمائي جان لوك هابياريمانا الذي برمج له ضمن المسابقة الرسمية للدورة العشرون لمهرجان السينما الإفريقية بخريبكة شتنبر 2017 شريط البلجيكي الأسود والذي يجعل من الحرب خلفية لموضوعه الذي يعالج فيه مشكل موظف بالسفارة البلجيكية محاصر داخل مسكنه من طرف المجندين وهو مهموم لفقدان ابنته المختطفة الأمر الذي سيشجع احد المجندين للدخول معه في مقايضة البنت مقابل تأشيرة الاتحاد الأوربي ، والشريط حديث الإنتاج وشارك في مهرجانات ومبرمج بأخرى تهتم بالسينما الإفريقية ، والمخرج استمد تقنياته الإخراجية من المسرح حيث المكان مغلق وعدد الممثلين ثلاثة وستة أصوات إما خارجية أو مصاحبة .
وتجب الإشارة هنا إلى أن ايريك كابرا مدير المكتب الوطني للبث والإعلام الرواندي أشار فيما مرة إلى أن مواضيع حرب الإبادة العرقية قد استنفذ فيما ذهب زملاء آخرون له إلى ان الموضوع قد صار مملا لكثرة تداوله فكانت الدعوات مرفوعة لتجاوز المرحلة من حيث المعالجة السينمائية والمرور نحو مواضيع تلامس المجتمع الرواندي لما بعد الحرب الأمر الذي دشن مع شريط : كلنا روانديون للمخرجة ديبورا جارد نير باترسون ليعقبه في نفس المنحى ولنفس المخرجة شريط إفريقيا الموحدة حول الاهتمام الذي أصبح للشباب المحارب سابقا والذي صار مقبلا على الحياة والتفاعل مع الأحداث الدولية ذات الطبيعة الجماهيرية بالخصوص وقد اختارت المخرجة نموذجا نمطيا وهو كرة القدم حيث ترصد كاميراتها شباب من عشاق كرة القدم الروانديون الذي سيسافرون من منطقة لغيرها من اجل متابعة أطوار مباريات كاس العالم كرسالة على أن المجتمع الرواندي صار ينعم بالسلم والاستقرار بدولة رواندا ما بعد الحرب .
—————
الورقة تم إعدادها للتعريف بالتجربة الرواندية من حيث الانتاجات السينمائية دون البنيات ، وذلك بمناسبة انعقاد الدورة 20 / 2017 لمهرجان السينما الإفريقية بخريكة بالمغرب.
ثلاث عبد العزيز / مدينة خريبكة

