سطور من ذاكرة…محمد الامالي

 أسمع صوت أقدامها و هي متجهة صوب الغرفة التي انام فيها، تدفع الباب  وقد سبقها في الدخول برد احسست بأنيابه و هي تخدش جميع أطراف جسمي،  تقول بنبرة تعكس مدى التعب الذي لحقها لعدم نومها مدة تكفيها  لاسترجاع بعض قِواها، لكونها آخر من وضع الجبين على الوسادة و ها هي أول من يفتح عينيها مع اللحظات الاولى من بزوغ الفجر .

إستيقظ حتى لا تتأخر، فقد حان وقت الذهاب الى المدرسة” ، انها المرة الثالثة التي تحاول فيها إيقاضي دون جدوى . تقطع أرحبي  ذهابا و إيابا بدون ملل  و لا كلل . أحاول جاهدا الانسلال من تحت ركام الأغطية التي تحمينا بثقلها الذي يضغط عليّ حتى  تختلط اظلاعي ببعضها من صقيع تحمله إلينا رياح لا تصل الى دادس الا و قد تلاعبت بها جبال صاغرو، أو لامست قمم  مرتفعات إمگون المكتسية بالبياض.  أخرج من غرفتي و أتجه بسرعة الى إزغي  كلاجئ ابحث عن الدفئ. رائحة أسكيف نيكيكر، تملئ المطبخ و يسيل من جرائها لعابي ، لقيمات كسكس الذرة مع بعض قطع اللفت، اختفت من معدتي حتى قبل خلودي لنومي.

 إنه نوع من الكسكس الذي يحبه الكبار في دادس و لا يستسيغه الصغار ، و كانت رائحته فقط كافية بأن تسبب لي إزِّي و يجعلني اتقلب الليل كله و يمنعني من النوم

أغسل  وجهي أو بالأحرى أدهنه بقطرات من ماء دافئ ، وأمي بجانبي تقوم بتطعيم ألهِبة النار بكل ما وقعت عليه يديها من حطب و هشيم ، تتذوق في نفس الوقت حساءها لحظة بعد أخرى، تنتظر أن تطيب بعض حبيبات العدس التي وضعتها فيه ، و ما ان تحس برطوبتها قليلا حتى تُفرغ القليل منه في وعاء و تقوم بتبريده عن طريق تحريكه بشكل دائري .

 اسمع أصوات أبواب الجيران و بعض عطسات  المارة و كحاتهم . و آثار أقدام البغال التي تنشط كثيرا في هذه الفترة من العام، إنه موسم الحرث ( تايوچا) باسيف ن دادس. كل هذا يشير الى أن الحياة بدأت تدب خارجا. و أن الجميع قد غادروا افرشتهم ، كل الى عمله .

  مع اقتراب موعد مغادرة المنزل صوب المدرسة. تجري أمي مرة اخرى يمنتا و يسرتا تحاول جمع شتاتي ، فلها ذاكرة قوية و عندها جواب لكل سؤال قد يخطر على بال ، و لا تقول ابدا لا أدري

تعلم أين تخلصتُ من محفظتي و أين وضعتُ احذيتي . نرمي بكل شيء كل مساء سبتٍ دون اهتمام و لا أدنى مسؤولية و نعتبر تلك اللحظة  طوال السنة  و كأنها آخر عهد لنا بالدراسة  . و نعتقد بأن الزمن توقف الى الأبد.

أما الملابس فنفسها التي نِمتُ بها و لعبت بها مقابلة دامت ليومين شوطها الاول يوم السبت مباشرة بعد خروجنا من الصف الدراسي إلى أن نفقد الكرة في الظلام الدامس و نغادر الملعب مهرولين على إيقاع  عويل الكلاب الضالة  المفترسة . اما شوطها الثاني فيوم الاحد و قد يكون لها شوط ثالث  ، إن لم يكن هناك غبار تراكم لشهور تحت  حوافر الاغنام ، و يتطلب الأمر إخراجه الى الحقول ، بإلحاح من الجدة ، و صراخها  في بعض الأحيان .  و يستدعي هذا الجري وراء حمار مشاكس و الصراع معه طيلة الصباح الى ما بعد الظهيرة .  مما يتسبب في آلام و التهابات على مستوى الفخذين  خصوصا اذا كان الزنبيل هو ذلك  المصنوع من سعف النخيل، و الحمار ليس من النوع الذي يُتقن تِغِلاَّ و الجري بسرعة و بطريقة مريحة . و ينتهي بك هذا في احسن الاحوال في حراسة المرمى و تكليفك بحفظ النتيجة و عدد الأهداف التي تُعد بالمئات .

 ترافقني أمي حتى الباب تظرب على جسمي بيديها لتنفث عن ملابسيَ التي تفوح منها رائحة أذخنة الحطب ، ما علق بها من غبار و أوساخ . تمسح على جزء من وجهي لم يصله الماء منذ أيام،  تخلل باصابعها  على شعري و يسقط منه الحصى و التراب.  ثم تفتح الباب و تودعني بنفس الكلمات التي اعتدت سماعها  كل يوم منها، ( هان الشانطي) أي إنتبه الى السيارات و انت تقطع الطريق .

ألتقي بأقراني و اصدقائي  في الشارع و نشكل قافلة يلتحق بنا الآخرون تباعا.  أبتعد شيئا فشيئا عن منزلي لكن أمي و بعد أن تُقفل الباب تهرع الى النافذة لتطل منها و تطمئن علينا . عيونها لا تفارقنا حتى تختفي أجسادنا ، وتحُول بيننا و بينها  جدران  بناية ولي الله ” سيدي بوسعيد“.

في الطريق و قبل الوصول الى القسم ، لا حديث إلا على المقابلة بحيث يقوم كل واحد منا بسرد و صياغة  ملخص تحليلي لأبرز لحظات المباراة ، صراخنا و حماسنا دليل على ان المقابلة إنتهت قبل الأوان رغم أنها دامت يومين ، نقترب من المدرسة و يلُوح لنا من بعيد أحد المدرسين ببدلته البيضاء . نقطع حديثنا و نقطع معه العهد بيننا على مواصلة النزال بعد أسبوع .

انها قصة قصيرة لحياة جميلة . عنوانها الطفولة و الذكريات  و الزمن الجميل ، ميدانها تمازيرت ن دادس  اما بطلتها بدون منازع فهي الأم  التي طبعت ببصماتها كل تفاصيل حياتنا ، دون أن تطلب منا يوما مقابل .  فاللهم من كانت له أم متوفاة فارحمها و اغفر لها . و من بقيت أمه على قيد الحياة فاطل عمرها و متعها بصحتها ابدا ما احييتها

محمد الامالي


قد يعجبك ايضا