تُعد رواية وليد سيف “النار والعنقاء” عملا أدبيا عظيما يجلي كيف يكون الأدب في أرقى مراتبه مستودعا للعواطف والأحاسيس التي اعتملت في مراحل تاريخية ماضية. فالوقوف عند هذه العواطف وهذه الأحاسيس يُمكِّن من فهم طبيعة المضايق والمآزق التي انجحرت فيها المجتمعات العربية لتستغلق عن العالم؛ بل العوالم الجديدة. يعتمد وليد سيف لغة عربية راقية ودقيقة تسعف في استبطان دواخل أهم الشخصيات التاريخية التي تصنع أحداث النار والعنقاء، وبفضل هذا الاستبطان ينكشف أمام القارئ كيف يصنع الإنسان السلطان ويصنع السلطان الإنسان.
يتساءل وليد سيف -على لسان امرأة إبراهيم بن ختكان الخراساني وهي تتوجس خيفة من تغير أحوال زوجها- “زوجي حقا هو زوجي؟ أعني…أحيانا أشعر بأنني مع رجل غريب لا أستطيع الاقتراب منه، وأكاد أقول: ليته بقي سراجا فقيرا وكان وديعا فتزوجته على تلك الحال. أهو السلطان يفعل هذا بالرجال يا أبت؟ أم أنه لا يصل إلى السلطان إلا رجال قدروا للبطش والقوة القاهرة؟”. ثم يضيف -على لسان عبد الرحمن مؤسس دولة بني أمية في الأندلس- “هكذا حال السلطان، نصنعه ثم يصنعنا، وهو يلزمنا أن نفرق بين القلب والسيف”.
إن الأحداث التاريخية المسرودة -سواء في “النار والعنقاء” أو في أعمال أخرى لوليد سيف- تمثل محاولة لاستكشاف البنية الشعورية التي كانت وراء إنتاج ثقافة سياسية يكون بموجبها السلطان سلطانا مدى الحياة، ثقافة لا تقبل أي شكل من أشكال التداخل بين الحاكم والمحكوم. كل النقاشات الفكرية والحوارات بين أبطال “النار والعنقاء” تصب في ترسيخ صور ثقافة سياسية لا تسوّغ الجمع بين “انتقال السلطة” و “بقاء الحاكم على قيد الحياة”. ونستفيد من قراءة الرواية حُكما راسخا من أحكام السلطان، مفاده أن “جلوس السلطان على العرش هو جلوس على جثة سلطان سبقه”.
يتوفق وليد سيف بفضل أسلوبه الأدبي الرشيق ولغته الموحية في أن يستخلص من التفاصيل التاريخية أحكاما سلطانية ثابتة وقوانين للسلطة تتردد كلازمة في جميع أعماله الفنية. فقارئ وليد سيف لا يعدم أن يصادف القول العربي المأثور الذي يفيد بأن “السلطان من القصر إلى القبر”، هذا القول الذي يجلي كيف يصبح تعلق السلطان بالحياة مرهونا بتعلقه بالقوة والسلطة، ذلك أن فقدانه للقوة معناه فقدانه للحياة. فالسلطان بهذا الاعتبار لا يملك أن ينسحب من الحكم، بل هو سلطان أقوى منه يهزمه فيزيحه عن مكانته.

