ليست الثقافة والصحافة مجالين منفصلين يلتقيان عرضًا، بل هما فضاءان متداخلان، يؤثر أحدهما في الآخر، ويتبادلان الأدوار في صناعة الوعي وتشكيل الذائقة العامة وحفظ الذاكرة الجماعية. ومن هذه المنطقة المشتركة، اختار الزميل سامي الشايب أن يفتح ملفًا معرفيًا مهمًا من خلال كتابه «الثقافة والصحافة: جدلية العلاقة؟» الصادر سنة 2024 عن دار الشريف للنشر بتونس. وتثبت فهرسة المكتبة الوطنية التونسية الكتاب ضمن موضوعي الثقافة والصحافة، في 76 صفحة.
سامي الشايب ليس بعيدًا عن هذا المبحث؛ فهو صحفي وكاتب تونسي صاحب اهتمام بالدراسات الاجتماعية والثقافية، وتُعرّفه المصادر المتاحة باعتباره حاملاً للدكتوراه في علوم الإعلام والاتصال، وله إنتاج كتابي متنوع يتصل بالثقافة والإعلام والفكر.
الثقافة تحتاج إلى الصحافة… والصحافة تحتاج إلى الثقافة
فالصحافة، حين تنفتح على الثقافة، لا تكتفي بنقل الخبر الثقافي أو الإعلان عن كتاب أو مهرجان أو معرض، وإنما تصبح شريكًا في صناعة الفعل الثقافي، وفي تقريب الفكر والمعرفة من الجمهور.
وفي الاتجاه المقابل، تمنح الثقافة الصحافة عمقًا معرفيًا ورؤية نقدية وقدرة على تجاوز الاستهلاك السريع للأحداث. ولذلك فإن الصحافة التي تفقد بعدها الثقافي قد تتحول إلى مجرد تدفق للأخبار، بينما الثقافة التي تعجز عن الوصول إلى الجمهور عبر وسائل الإعلام قد تبقى حبيسة النخب والمؤسسات.
وهنا تكمن أهمية السؤال الذي وضعه الشايب في قلب كتابه: هل العلاقة بين الثقافة والصحافة علاقة تكامل، أم علاقة شد وجذب، أم جدلية مستمرة تبحث دائمًا عن صيغة جديدة للتوازن؟
قيمة البحث الذي أنجزه سامي الشايب
تكمن قيمة ما بحثه سامي الشايب في أنه لم يتعامل مع الثقافة والصحافة باعتبارهما موضوعين منفصلين، بل حاول النظر إلى المساحة المشتركة بينهما: كيف تخدم الصحافة الثقافة؟ وكيف تمنح الثقافة الصحافة معناها الإنساني والحضاري؟
وتشير أوصاف الكتاب المنشورة إلى أنه يبحث في علاقة الصحافة بالثقافة بمعناها الحضاري، وفي دور الصحافة في نشر ثقافة الشعوب والمحافظة على هويتها، كما يخصص جانبًا لدراسة واقع الصحافة الثقافية في العالم العربي.
وهذه المقاربة تكتسب أهمية خاصة اليوم، في زمن تتغير فيه وسائل إنتاج المعرفة وتوزيعها، وتتراجع فيه الحدود التقليدية بين الصحفي والمثقف والكاتب والباحث، فيما أصبحت الصحافة الثقافية مطالبة بأن تنافس سرعة المنصات الرقمية دون أن تتخلى عن الدقة والعمق والتحليل.
ابن دوز… من جغرافيا الجنوب إلى أسئلة الفكر
وتزداد قيمة هذه التجربة عندما نعرف أن صاحبها ابن دوز؛ المدينة التي ارتبط اسمها بالصحراء والتراث والشعر والفروسية والمهرجانات الثقافية. فمن هذه البيئة التي تختزن ذاكرة الجنوب التونسي، انتقل الشايب إلى فضاء أوسع، ليبحث في علاقة الإعلام بالثقافة، وفي الدور الذي يمكن أن تؤديه الصحافة في حماية الذاكرة والهوية ونشر المعرفة.
ولعل أجمل ما في هذه التجربة أن ابن دوز لم يجعل الجغرافيا قيدًا على الفكر، بل جعل من تجربته الصحفية والثقافية مدخلًا إلى سؤال يتجاوز المكان: كيف يمكن للصحافة أن تكون ذاكرة للثقافة، وكيف يمكن للثقافة أن تكون روحًا للصحافة؟
إن كتاب «الثقافة والصحافة: جدلية العلاقة؟» يفتح هذا السؤال ولا يغلقه؛ وهذه، في حد ذاتها، قيمة البحث الحقيقي. فالقضايا الثقافية الكبرى لا تحتاج دائمًا إلى أجوبة نهائية بقدر حاجتها إلى أسئلة جديدة تظل قادرة على تحريك الفكر.
ومن هنا يمكن القول إن سامي الشايب قد اختار مبحثًا جدليًا شديد الصلة بواقعنا الإعلامي والثقافي، ووضع بين يدي القارئ محاولة للتفكير في العلاقة بين مجالين يشتركان في مهمة أساسية: صناعة الوعي، وتوثيق الذاكرة، والدفاع عن المعنى.
وفي زمن تتسارع فيه الأخبار وتتراجع فيه مساحة التأمل، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل تستطيع الصحافة أن تستعيد دورها الثقافي؟ وهل تستطيع الثقافة أن تستعيد حضورها في الصحافة؟
ذلك هو السؤال الذي يجعل من تجربة سامي الشايب، الصحفي والباحث ابن دوز، إضافة جديرة بالقراءة والنقاش في المشهد الثقافي والإعلامي التونسي.
ابو لبابة العيدودي


