الرشيدية… تحتضن مهرجان واحة فركلة – دورة 2026

تحت شعار: «الواحة… ذاكرةُ المكان ورهانُ التنمية المستدامة» فركلة السفلى تحتفي بذاكرتها الواحية، وتفتح نوافذ المستقبل على أسئلة التراث والتنمية والحكامة المؤسساتية في سياق تتجدد فيه الحاجة إلى صون الذاكرة الجماعية، واستنهاض الرأسمال الثقافي والبيئي للمجالات الواحية، تستعد جماعة فركلة السفلى، بإقليم الرشيدية، لاحتضان فعاليات مهرجان واحة فركلة – دورة 2026، الذي تنظمه جمعية أمجاد الزاوية التنموية، بشراكة مع مجلس جماعة فركلة السفلى والمديرية الجهوية لوزارة الشباب والثقافة والتواصل – قطاع الثقافة بجهة درعة تافيلالت، أيام 21 و22 و23 أكتوبر 2026،.
ولا يأتي هذا الموعد الثقافي والفني باعتباره مجرد تظاهرة احتفالية عابرة، بل بوصفه مساحة لاستعادة المعنى العميق للواحة باعتبارها مجالا للحياة، ومستودعا للذاكرة، وحاضنة لهوية ثقافية متجذرة، وفضاء تتقاطع فيه علاقة الإنسان بالأرض والماء والنخيل والتراث. كما يشكل مناسبة لإعادة طرح السؤال حول كيفية تحويل ما تزخر به واحات درعة تافيلالت من مؤهلات تاريخية وبيئية وثقافية واقتصادية إلى روافع حقيقية لتنمية مستدامة تنصف المجال والإنسان معا.
فواحة فركلة ليست مجرد امتداد جغرافي تحفه أشجار النخيل، بل ذاكرة أجيال، وسجل حضارة، وشاهد حيّ على قدرة الإنسان الواحي على التكيف والإبداع وصناعة الحياة في قلب التحولات البيئية والاجتماعية. ومن هذا المنطلق، يسعى المهرجان إلى تثمين الموروث الثقافي المادي واللامادي، والتعريف بالمقومات التاريخية والسياحية والبيئية للمنطقة، وإبراز ما تختزنه من إمكانات قادرة على الإسهام في تنشيط الحياة الثقافية والاقتصادية وتعزيز جاذبية المجال الواحي.
ويتضمن برنامج هذه الدورة باقة متنوعة من الفقرات الثقافية والفنية والتراثية، تشمل حفل الافتتاح الرسمي، والكرنفال الاحتفالي، والسوق التضامني المخصص للتعريف بالمنتجات المحلية ومبادرات التعاونيات، ومعرضا للأعمال الفنية المستلهمة من التراث والذاكرة الواحية، إلى جانب أمسيات فنية تراثية تحتفي بغنى التعبيرات الثقافية المحلية وتنوعها.
وتشكل الندوة العلمية إحدى المحطات الفكرية المركزية للمهرجان، تحت عنوان: «درعة تافيلالت بين ثراء المؤهلات وتحديات المستقبل: أيّ حكامة مؤسساتية لصناعة التنمية المستدامة؟»، وهو عنوان يستدعي نقاشا علميا مسؤولا حول المفارقة القائمة بين غنى الجهة بمواردها الطبيعية ومؤهلاتها الثقافية والسياحية، وبين التحديات التي لا تزال تعترض مسارات التنمية بها. كما يفتح المجال للتفكير في دور المؤسسات والحكامة الترابية والعدالة المجالية، ومدى قدرة المنظومة المؤسساتية على مواكبة خصوصيات الجهة والاستجابة لانتظارات ساكنتها، وربط البحث العلمي والتكوين والاستثمار بحاجيات المجال وأولوياته التنموية.
الواحة من فضاء للذاكرة إلى ورشٍ للتفكير والعمل
وفي سياق ربط النقاش الثقافي والعلمي بالواقع المعيش للمجال الواحي، ينظم المهرجان ورشة تواصلية ميدانية بالخطارة (خطارة القديمة)، في قلب واحة فركلة، تجمع فلاحي الواحة وأطرا تقنية متخصصة في المجال الفلاحي، إلى جانب فعاليات المجتمع المدني والمهتمين بقضايا الواحة. وستشكل هذه المحطة فضاء للحوار المفتوح وتبادل الخبرات والتجارب، واستحضار الإكراهات التي تواجه الفلاحة الواحية، ولا سيما ما يرتبط بتدبير الموارد المائية وصون التوازنات البيئية وتثمين المؤهلات المحلية، سعيا إلى بلورة مقترحات عملية تعزز استدامة الواحة وتصون مقوماتها الحيوية.
وتهدف هذه المبادرة إلى نقل النقاش من فضاء التشخيص إلى أفق الاقتراح والعمل المشترك، انطلاقا من قناعة راسخة بأن حماية الواحة مسؤولية جماعية تبدأ بالإنصات إلى أهلها، والاستفادة من المعرفة التقنية والتجربة الميدانية، وتوحيد جهود مختلف المتدخلين. كما تجسد حرص المهرجان على وصل الفعل الثقافي بقضايا التنمية اليومية، وجعل الواحة فضاء للتفكير الجماعي في التحديات البيئية والفلاحية، واستكشاف سبل الحفاظ على مواردها وضمان استدامتها لفائدة الأجيال القادمة.
الكتابة العلمية في خدمة الذاكرة الواحية
وتعزيزا للبعد المعرفي للمهرجان، يحتضن صباح اليوم الثالث جلسة علمية لتقديم ومناقشة كتاب الدكتور حسن علاوي، الموسوم بـ**«السلوك البيئي بواحة فركلة: دراسة سوسيوأنثروبولوية»**، باعتباره إسهاما معرفيا في مقاربة علاقة الإنسان ببيئته الواحية، واستكشاف أنماط السلوك والممارسات الاجتماعية والثقافية المرتبطة بالمجال.
وستتيح هذه الجلسة للباحثين والمهتمين والفاعلين المحليين فرصة للتفاعل مع مضامين الكتاب، واستجلاء ما يطرحه من أسئلة حول الوعي البيئي والذاكرة الجماعية والتحولات التي تعرفها الواحة، فضلا عن إمكانات توظيف المعرفة العلمية في دعم جهود الحماية والتثمين والتنمية المستدامة. ويأتي هذا اللقاء تأكيدا على أن صون الواحة لا يتحقق بحماية مواردها الطبيعية وتراثها المادي فحسب، بل يقتضي أيضا فهم الإنسان الذي يسكنها، وأنماط عيشه، وتمثلاته للبيئة، وعلاقته المتجددة بأرضه وذاكرته.
وفي امتداد لهذا البعد الفكري، ستشكل «جلسة الواحة: الواحة تراثٌ وإرثٌ وجب الحفاظ عليه» مناسبة لاستحضار الذاكرة المحلية، والإنصات إلى شهادات الفاعلين والمهتمين، وتجديد الدعوة إلى حماية الموروث الواحي وصونه من مظاهر الاندثار، وترسيخ الوعي بأن الحفاظ على التراث ليس استعادة للماضي فحسب، بل استثمار في المستقبل وصيانة لمقومات الهوية الجماعية.
كما يولي المهرجان أهمية خاصة للاقتصاد الاجتماعي والتضامني، من خلال السوق التضامني الذي يتيح للتعاونيات والمنتجين والحرفيين فضاء للتعريف بمنتجاتهم وإبراز مهاراتهم، بما يعزز حضور المبادرات المحلية، ويفتح آفاقا لتثمين الموارد المجالية، ويؤكد أن التنمية المستدامة لا تنفصل عن تمكين الإنسان المحلي وإتاحة فرص المشاركة والإبداع أمام النساء والشباب.
وإذ تراهن الجمعية المنظمة وشركاؤها على إنجاح هذه الدورة، فإن طموحهم يتجاوز تنظيم أنشطة متفرقة إلى الإسهام في ترسيخ ثقافة الاعتراف بالواحة، وإطلاق دينامية للتواصل والتفكير المشترك بين المؤسسات والباحثين والفنانين والفاعلين المدنيين والساكنة المحلية، إيمانا بأن مستقبل المجالات الواحية يقتضي تضافر الجهود وتكامل المبادرات وتجاوز المقاربات الموسمية نحو رؤية تنموية مندمجة ومستدامة.
إن مهرجان واحة فركلة هو نداء للذاكرة كي لا تنطفئ، وللتراث كي يظل حيا، وللمؤسسات والفاعلين كي يجعلوا من ثراء درعة تافيلالت فرصة للتنمية، لا مجرد مؤهلات تنتظر الاستثمار. وهو، في جوهره، دعوة إلى إعادة الاعتبار للواحة باعتبارها ثروة وطنية مشتركة، وإلى جعل حمايتها وتثمينها مسؤولية جماعية تتقاطع فيها الثقافة والبيئة والاقتصاد والمعرفة.
فحين تصون الواحة ذاكرتها، وتحسن استثمار مؤهلاتها، وتلتقي إرادة الفاعلين حول مستقبلها، تصبح التنمية أكثر من شعار، تصبح مشروعا جماعيا للحياة والأمل.

قد يعجبك ايضا

شاهد أيضا